ورد كاسوحة* النُّظُم التي تتسبّب، بفعل بنيتها الدينية السابقة أو الحالية، بنكوصٍ غير مفهوم أو منطقي إلى القروسطية، لا تستطيع مغالَبة الواقع...
النُّظُم التي تتسبّب، بفعل بنيتها الدينية السابقة أو الحالية، بنكوصٍ غير مفهوم أو منطقي إلى القروسطية، لا تستطيع مغالَبة الواقع المحكوم بسيطرة الرأسمالية الدولية، إلا في حالات نادرة واستثنائية. إحياء الطقوس الإسلامية، ولا أقول الخلافة أو الحكم الديني، هو بمثابة يوتوبيا ماضوية أكثَرَ منه إمكانية قائمة، لأنّ الرابطة السلطانية بأشكالها المختلفة، حتى في الغرب، كانت تقوم على محدّدات اقتصادية أكثَرَ منها سياسية أو عقائدية.
ورد كاسوحة*
النظام التجاري القارّي القديم، إذا صحّ التعبير، المحصور بين بلاد فارس شرقاً والمغرب العربي غرباً، هو الذي كان الأساس في استمراية الحكم الإسلامي طوال أكثَرَ من أربعة عشر قرناً، وبانتهائه أو اندثاره، مع تقهقر السلطنة العثمانية، بعيد انتهاء الحرب العالمية الأولى، انتفت بدورها إمكانية بقاء الهياكل الإسلامية التي تتغذّى على النظام التجاري القديم، ولو شكلياً.
ما يرجّح هذه القراءة أو المقاربة هو التزامن الحاصل بين انهيار آخر فصول الخلافة الإسلامية مع العثمانيين، والشروع بترسيخ نموذج الدولة الأمّة القومية في بلاد الشام ومصر والمغرب العربي، إذ يقتضي التراكم الرأسمالي الذي نهضت عليه الدول القومية في أوروبا والغرب عموماً، حصول التبادلات التجارية، وفقاً لخطوط التجارة التي تعمل بالنظام التجاري الجديد، والذي يحصل فيه التراكم بموجب الارتباط بين النقد الورقي والنقود المعدنية مثل الذهب والفضّة، بدلاً من الاقتصار على العملات المعدنية القديمة، التي كانت ترمز إلى نمط التجارة القديم، وتمثّل مستودع القيمة، بالنسبة إلى الحكم السلطاني الذي أتت عليه الرأسمالية والثورات الصناعية والقومية، في الغرب.
مقارَبة الخلافة الإسلامية التي انتهت مع العثمانيين، كاقتصاد سياسي للعالم القديم، تبدو بمثابة طريق قصير ومُختَصَر لفهم الاستحالة، التي تنطوي عليها محاولات الغرب، ومعه بعض النظم في الخليج وتركيا، إعادةَ إحياء النسق الإسلامي السابق، بدفعٍ من انهيار الحداثة السياسية المشرقية، وحلول سياسات الهوية الاستقطابية الإبادية، بدلاً منها، كنمط حكم يمكن ترسيخه والتعويل عليه إقليمياً ودولياً.
في الاقتصاد القديم، السابق للتراكم الرأسمالي، كان التبادل التجاري يحصل وفق مفهومٍ للقيمة، مختلف تماماً عمّا سيغدو لاحقاً وفقاً للاقتصاد الرأسمالي، قيماً تبادلية أو استعمالية. فكرة الربح أو القيمة الزائدة نفسها، التي تمثّل عصب الرأسمالية، لم تكن مرتبطة بأصل الرأسمال أو بكمّية العمل، حين كانت عملية الإنتاج لا تحوز العناصر التي أصبحت مُتاحة لها، بفعل الثورة الصناعية في الغرب، وما وفّرته تدفّقات العمالة والسيولة من تسهيلات وإزالة للحواجز أمام تراكم الثروة بكميات كبيرة.
اقتصاد القوافل التجارية البرّية والتبادلات بالمقايضة الذي كان يعرِّف به الاقتصاد القديم نفسه، يكاد يكون نقيض كلّ اليقينيات التي أتى بها التراكم الرأسمالي، منذ حدوث الانتقال بين الحقبتين الإقطاعية والبورجوازية في أوروبا إبّان الثورة الصناعية.
والحال أنّ هذا الشكل من الاقتصاد أو العلاقات التجارية البدائية، لم ينبنِ أو يقوم على مفهوم للتراكم أصلاً، لأنّ الربح لم يكن يحصل وفقاً لتوفيقٍ بين القيمتين التبادلية والاستعمالية للسلع، بل على ضوء الاحتياجات التي كانت توفّرها المقايَضة، وهذه الأخيرة لم تكن تنطوي بأيّ شكلٍ من الأشكال على قيمة زائدة يمكن استخراجُها من العمل اليدوي المضني كما أصبحت عليه الحال مع الرأسمالية.
مفهوم الربح، كما كان قائماً في الحكم الإسلامي، لم يكن مرتبطاً بالتوسّع العسكري للخلافة، حيث الحاجة ليست قائمة، كما في الرأسمالية، إلى تدفُّقات المواد الأولية واليد العاملة الرخيصة، بقدر ما كانت التجارة، أو النظام التجاري حينها، تعبيراً عن الحضور المادّي للحضارة الإسلامية، ولكن في صورة تداولات بالذهب والفضّة، أو بالمقايضة التي لم تكن تعني حينها معادلة كمّية العمل العضلي أو اليدوي بالنقود المعدنية كما هي الحال في نُظُم الاستغلال اللاحقة.
هذا لم يمنع حصول أشكال أخرى من الاستغلال، ولكنها أقلّ بكثير من تلك التي صاحبت اندثار نظام المقايضة والتعامل بالنقود المعدنية، على اعتبار أنّ أركان الرأسمالية الأساسية، من القيمة الزائدة إلى فائض القيمة، إلى استهلاك حياة العمّال، وصولاً إلى إعادة إنتاج رأس المال نفسه، لم تنشأ إلا حين توقّف الاقتصاد القديم، الخاصّ بالاكتفاء الذاتي وتلبية الاحتياجات الدنيا للحياة الوسيطة والقديمة، عن العمل.
خطوط التجارة التي كانت القوافل تنقل عبرها السلع القديمة، مثل التوابل والتمر والحرير، بين الجزيرة العربية وبلاد الشام والمغرب العربي، لم تعد تصلح للتبادل التجاري الذي صاحَبَ الاكتشافات الجغرافية الغربية، ابتداءً من رأس الرجاء الصالح، ووصولاً إلى أميركا الشمالية. فقد مثّلت التجارة عبر البحار مرحلة انتقالية لم تلبث أن انتهت بدورها، بين التجارة البرّية عبر القوافل الصحراوية، وتنويع طُرُق الإمداد مع الشروع الرأسمالي بتوريد اليد العاملة الرخيصة والمواد الخامّ من المستعمرات الجديدة في أفريقيا وأميركا اللاتينية.
التوسّع الإمبراطوري للخلافة الإسلامية إذا صحّ التعبير، كان بدفعٍ من طرق التجارة القديمة، أكثَرَ منه بـ«الفتوحات» نفسِها، وحين اندثرت هذه الخطوط مع الاكتشافات الجغرافية الغربية، في الهند وسواها، وصولاً إلى أميركا الشمالية نفسِها، بدأَ التوسّع، الذي عرَفَته الخلافة في أوجها إبّان الحكمين الأموي والعباسي، بالانحسار بدوره.
هكذا، بدا التراكم البدائي للخلافة أو اقتصادها السياسي، بمعنىً من المعاني، مقتصِراً على التبادل التجاري عبر القوافل والطرق البرّية، في حين لم تكن الحضارة الإسلامية جاهزة أو مستعدّة للتنافس الذي بدأه الغرب القديم أو القروسطي، عقب اكتشاف طريق رأس الرجاء الصالح، من خلال التبادلات التجارية عبر البحار.
على أنّ الهيمنة الاقتصادية على طُرُق التجارة البرّية كانت شبه مُطلَقة في الحقبتين الأموية والعباسية، وهو ما يفسّر، إلى جانب التوسّع العسكري نفسِه، عدد الأقاليم الجغرافية التي كانت تخضع لسلطة الخلافة في ذروتها، حيث مساحة الأراضي هنا لا تنفصل عن نمط التراكم البدائي أو الأوّلي الذي كان يحصل عبر التبادل التجاري برّاً. وهو، في معظمه، يتناسب مع نمط الإنتاج الخراجي الذي كان يميّز تلك الحقبة، سواء في السلع الغذائية المحدودة وغير المصنّعة أو حتى في القماش والعملة، حيث هذا النوع من التبادل لا يتطلّب تدفّقات كبيرة في السلع واليد العاملة، ولا يحتاج لإتمام عمله إلى لوجستيات معقَّدة، مثل تلك التي احتاجت إليها أوروبا في القرون الوسطى، حين بدأت ملامح الاستعمار القديم، في كلٍّ من إسبانيا والبرتغال، بالتشكّل.
يمكن اعتبار التجارة عبر البحار، عقب حدوث الاكتشافات الجغرافية الكُبرى في الهند وأميركا الشمالية، بمثابة بداية لتقويض الاقتصاد السياسي للخلافة الإسلامية، ليس بسبب ضعف القوّة البحرية للحكم الإسلامي فحسب، بل لأنّ وجودها الأنطولوجي كـ«إمبراطورية» كان مرتبطاً بطرق التجارة البرّية التي لم تعد قادرة على منافسة التحوّلات التي طرأت على النظام التجاري للعالمين القديم والوسيط.
والحال أنّ الاكتشافات الجغرافية البرتغالية والإسبانية قد مهّدت الطريق بالفعل لانعطافة كُبرى في التجارة، عبر ربطها بنشوء الاستعمار القديم، والشروع بتغيير بنية التدفّقات التجارية، لتتحوّل من أنماط مقايَضة وتبادلات لا تبغي الربح الزائد، إلى صيغة تتلاءم مع الحاجة إلى اليد العاملة الرخيصة والمواد الخام من المستعمرات الجديدة، ولا سيّما في أفريقيا وأميركا اللاتينية.
قادَ ذلك إلى شكلٍ أوّلي من أشكال عولمة التجارة، حيث النمط التجاري الذي يكتفي بالمقايَضة والمبادَلة بالنقود المعدنية القديمة لم يعد يلبّي حاجة الدول إلى التوسّع في الأعمال التجارية بحيث تشمل، ليس فقط التجارة عبر البحار، بل أيضاً تسهيل تدفُّقات اليد العاملة الرخيصة والمواد الخام من القارّات «البكر» التي ساعَدَت الاكتشافات الجغرافية على جعل ثرواتِها مُتاحة أكثر.
الاكتشافات الجغرافية هنا، تبدو وكأنها بالفعل بداية مبكّرة للرأسمالية، حتى حين لم يكن ثمّة تراكم رأسمالي بعد بالمعنى الفعلي للكلمة. الاكتشافات حَدَثت في المرحلة التي أعقبت سقوط الإمبراطورية الرومانية، مع بدء دخول أوروبا في العصر الوسيط، حيث الانتهاء من الصيغة الإمبراطورية القديمة المترامية الأطراف في روما لمصلحة المزاوَجة بين حكم الممالك المتنازِعة والمحترِبة وسلطة الكنيسة والإقطاع السياسي الأوروبي.
في هذه المرحلة لم يكن ممكناً تثمير الاكتشافات الجغرافية كما يجب، لأنّ نمط الإنتاج الإقطاعي لم يكن يتطلّب استهلاكاً كثيفاً للمواد الخام واليد العاملة الرخيصة، وصولاً إلى إنتاج القيمة الزائدة نفسها، والتي بموجبها تتوسّع الأسواق باتجاه القارّات والأماكن الجغرافية المكتَشَفة حديثاً.
ضمُّ الغرب، حتى قبل نضوج فكرة الاستعمار القديم، أراضيَ جديدة إلى ممالكه القروسطية، تزامَنَ، ليس بالضرورة مع فقدان الخلافة الإسلامية مزيداً من الأراضي (على اعتبار أن العثمانيين كانوا لا يزالون حينها في طور التوسّع العسكري والجغرافي)، بل أساساً مع عدم قدرة النهج الإمبراطوري للخلافة، على الاحتفاظ بالعمق الجيوسياسي القارّي نفسِه، مع كل التآكل الذي أصاب أدوات التوسّع، بما في ذلك الطرق التجارية التي باتت عاجزة عن منافسة النظام التجاري الجديد الذي أتت به الاكتشافات الجغرافية الغربية.
والحال أنّ ما انتهى هنا ليس الخلافة كحُكم بالمعنى المباشر، على اعتبار أنّ الحكم العثماني قد تعايَشَ لعقود مع الفتوحات الجغرافية الغربية في مرحلة القرون الوسطى، بل النمط العالمي للحكم الإسلامي بوصفه الشكل المهيمن لعلاقات القوّة والنفوذ، في مرحلة ما قبل التوسُّع الغربي جنوباً وغرباً باتجاه المستعمرات الأفريقية والأميركية الجنوبية، وصولاً إلى نظيرتها الآسيوية التي تكثَّفت وتركّزت فيها فصول المواجهة الأخيرة بين العثمانيين والغرب.
ما يرجّح هذه القراءة أو المقاربة هو التزامن الحاصل بين انهيار آخر فصول الخلافة الإسلامية مع العثمانيين، والشروع بترسيخ نموذج الدولة الأمّة القومية في بلاد الشام ومصر والمغرب العربي، إذ يقتضي التراكم الرأسمالي الذي نهضت عليه الدول القومية في أوروبا والغرب عموماً، حصول التبادلات التجارية، وفقاً لخطوط التجارة التي تعمل بالنظام التجاري الجديد، والذي يحصل فيه التراكم بموجب الارتباط بين النقد الورقي والنقود المعدنية مثل الذهب والفضّة، بدلاً من الاقتصار على العملات المعدنية القديمة، التي كانت ترمز إلى نمط التجارة القديم، وتمثّل مستودع القيمة، بالنسبة إلى الحكم السلطاني الذي أتت عليه الرأسمالية والثورات الصناعية والقومية، في الغرب.
مقارَبة الخلافة الإسلامية التي انتهت مع العثمانيين، كاقتصاد سياسي للعالم القديم، تبدو بمثابة طريق قصير ومُختَصَر لفهم الاستحالة، التي تنطوي عليها محاولات الغرب، ومعه بعض النظم في الخليج وتركيا، إعادةَ إحياء النسق الإسلامي السابق، بدفعٍ من انهيار الحداثة السياسية المشرقية، وحلول سياسات الهوية الاستقطابية الإبادية، بدلاً منها، كنمط حكم يمكن ترسيخه والتعويل عليه إقليمياً ودولياً.
في الاقتصاد القديم، السابق للتراكم الرأسمالي، كان التبادل التجاري يحصل وفق مفهومٍ للقيمة، مختلف تماماً عمّا سيغدو لاحقاً وفقاً للاقتصاد الرأسمالي، قيماً تبادلية أو استعمالية. فكرة الربح أو القيمة الزائدة نفسها، التي تمثّل عصب الرأسمالية، لم تكن مرتبطة بأصل الرأسمال أو بكمّية العمل، حين كانت عملية الإنتاج لا تحوز العناصر التي أصبحت مُتاحة لها، بفعل الثورة الصناعية في الغرب، وما وفّرته تدفّقات العمالة والسيولة من تسهيلات وإزالة للحواجز أمام تراكم الثروة بكميات كبيرة.
اقتصاد القوافل التجارية البرّية والتبادلات بالمقايضة الذي كان يعرِّف به الاقتصاد القديم نفسه، يكاد يكون نقيض كلّ اليقينيات التي أتى بها التراكم الرأسمالي، منذ حدوث الانتقال بين الحقبتين الإقطاعية والبورجوازية في أوروبا إبّان الثورة الصناعية.
والحال أنّ هذا الشكل من الاقتصاد أو العلاقات التجارية البدائية، لم ينبنِ أو يقوم على مفهوم للتراكم أصلاً، لأنّ الربح لم يكن يحصل وفقاً لتوفيقٍ بين القيمتين التبادلية والاستعمالية للسلع، بل على ضوء الاحتياجات التي كانت توفّرها المقايَضة، وهذه الأخيرة لم تكن تنطوي بأيّ شكلٍ من الأشكال على قيمة زائدة يمكن استخراجُها من العمل اليدوي المضني كما أصبحت عليه الحال مع الرأسمالية.
مفهوم الربح، كما كان قائماً في الحكم الإسلامي، لم يكن مرتبطاً بالتوسّع العسكري للخلافة، حيث الحاجة ليست قائمة، كما في الرأسمالية، إلى تدفُّقات المواد الأولية واليد العاملة الرخيصة، بقدر ما كانت التجارة، أو النظام التجاري حينها، تعبيراً عن الحضور المادّي للحضارة الإسلامية، ولكن في صورة تداولات بالذهب والفضّة، أو بالمقايضة التي لم تكن تعني حينها معادلة كمّية العمل العضلي أو اليدوي بالنقود المعدنية كما هي الحال في نُظُم الاستغلال اللاحقة.
هذا لم يمنع حصول أشكال أخرى من الاستغلال، ولكنها أقلّ بكثير من تلك التي صاحبت اندثار نظام المقايضة والتعامل بالنقود المعدنية، على اعتبار أنّ أركان الرأسمالية الأساسية، من القيمة الزائدة إلى فائض القيمة، إلى استهلاك حياة العمّال، وصولاً إلى إعادة إنتاج رأس المال نفسه، لم تنشأ إلا حين توقّف الاقتصاد القديم، الخاصّ بالاكتفاء الذاتي وتلبية الاحتياجات الدنيا للحياة الوسيطة والقديمة، عن العمل.
خطوط التجارة التي كانت القوافل تنقل عبرها السلع القديمة، مثل التوابل والتمر والحرير، بين الجزيرة العربية وبلاد الشام والمغرب العربي، لم تعد تصلح للتبادل التجاري الذي صاحَبَ الاكتشافات الجغرافية الغربية، ابتداءً من رأس الرجاء الصالح، ووصولاً إلى أميركا الشمالية. فقد مثّلت التجارة عبر البحار مرحلة انتقالية لم تلبث أن انتهت بدورها، بين التجارة البرّية عبر القوافل الصحراوية، وتنويع طُرُق الإمداد مع الشروع الرأسمالي بتوريد اليد العاملة الرخيصة والمواد الخامّ من المستعمرات الجديدة في أفريقيا وأميركا اللاتينية.
التوسّع الإمبراطوري للخلافة الإسلامية إذا صحّ التعبير، كان بدفعٍ من طرق التجارة القديمة، أكثَرَ منه بـ«الفتوحات» نفسِها، وحين اندثرت هذه الخطوط مع الاكتشافات الجغرافية الغربية، في الهند وسواها، وصولاً إلى أميركا الشمالية نفسِها، بدأَ التوسّع، الذي عرَفَته الخلافة في أوجها إبّان الحكمين الأموي والعباسي، بالانحسار بدوره.
هكذا، بدا التراكم البدائي للخلافة أو اقتصادها السياسي، بمعنىً من المعاني، مقتصِراً على التبادل التجاري عبر القوافل والطرق البرّية، في حين لم تكن الحضارة الإسلامية جاهزة أو مستعدّة للتنافس الذي بدأه الغرب القديم أو القروسطي، عقب اكتشاف طريق رأس الرجاء الصالح، من خلال التبادلات التجارية عبر البحار.
على أنّ الهيمنة الاقتصادية على طُرُق التجارة البرّية كانت شبه مُطلَقة في الحقبتين الأموية والعباسية، وهو ما يفسّر، إلى جانب التوسّع العسكري نفسِه، عدد الأقاليم الجغرافية التي كانت تخضع لسلطة الخلافة في ذروتها، حيث مساحة الأراضي هنا لا تنفصل عن نمط التراكم البدائي أو الأوّلي الذي كان يحصل عبر التبادل التجاري برّاً. وهو، في معظمه، يتناسب مع نمط الإنتاج الخراجي الذي كان يميّز تلك الحقبة، سواء في السلع الغذائية المحدودة وغير المصنّعة أو حتى في القماش والعملة، حيث هذا النوع من التبادل لا يتطلّب تدفّقات كبيرة في السلع واليد العاملة، ولا يحتاج لإتمام عمله إلى لوجستيات معقَّدة، مثل تلك التي احتاجت إليها أوروبا في القرون الوسطى، حين بدأت ملامح الاستعمار القديم، في كلٍّ من إسبانيا والبرتغال، بالتشكّل.
يمكن اعتبار التجارة عبر البحار، عقب حدوث الاكتشافات الجغرافية الكُبرى في الهند وأميركا الشمالية، بمثابة بداية لتقويض الاقتصاد السياسي للخلافة الإسلامية، ليس بسبب ضعف القوّة البحرية للحكم الإسلامي فحسب، بل لأنّ وجودها الأنطولوجي كـ«إمبراطورية» كان مرتبطاً بطرق التجارة البرّية التي لم تعد قادرة على منافسة التحوّلات التي طرأت على النظام التجاري للعالمين القديم والوسيط.
والحال أنّ الاكتشافات الجغرافية البرتغالية والإسبانية قد مهّدت الطريق بالفعل لانعطافة كُبرى في التجارة، عبر ربطها بنشوء الاستعمار القديم، والشروع بتغيير بنية التدفّقات التجارية، لتتحوّل من أنماط مقايَضة وتبادلات لا تبغي الربح الزائد، إلى صيغة تتلاءم مع الحاجة إلى اليد العاملة الرخيصة والمواد الخام من المستعمرات الجديدة، ولا سيّما في أفريقيا وأميركا اللاتينية.
قادَ ذلك إلى شكلٍ أوّلي من أشكال عولمة التجارة، حيث النمط التجاري الذي يكتفي بالمقايَضة والمبادَلة بالنقود المعدنية القديمة لم يعد يلبّي حاجة الدول إلى التوسّع في الأعمال التجارية بحيث تشمل، ليس فقط التجارة عبر البحار، بل أيضاً تسهيل تدفُّقات اليد العاملة الرخيصة والمواد الخام من القارّات «البكر» التي ساعَدَت الاكتشافات الجغرافية على جعل ثرواتِها مُتاحة أكثر.
الاكتشافات الجغرافية هنا، تبدو وكأنها بالفعل بداية مبكّرة للرأسمالية، حتى حين لم يكن ثمّة تراكم رأسمالي بعد بالمعنى الفعلي للكلمة. الاكتشافات حَدَثت في المرحلة التي أعقبت سقوط الإمبراطورية الرومانية، مع بدء دخول أوروبا في العصر الوسيط، حيث الانتهاء من الصيغة الإمبراطورية القديمة المترامية الأطراف في روما لمصلحة المزاوَجة بين حكم الممالك المتنازِعة والمحترِبة وسلطة الكنيسة والإقطاع السياسي الأوروبي.
في هذه المرحلة لم يكن ممكناً تثمير الاكتشافات الجغرافية كما يجب، لأنّ نمط الإنتاج الإقطاعي لم يكن يتطلّب استهلاكاً كثيفاً للمواد الخام واليد العاملة الرخيصة، وصولاً إلى إنتاج القيمة الزائدة نفسها، والتي بموجبها تتوسّع الأسواق باتجاه القارّات والأماكن الجغرافية المكتَشَفة حديثاً.
ضمُّ الغرب، حتى قبل نضوج فكرة الاستعمار القديم، أراضيَ جديدة إلى ممالكه القروسطية، تزامَنَ، ليس بالضرورة مع فقدان الخلافة الإسلامية مزيداً من الأراضي (على اعتبار أن العثمانيين كانوا لا يزالون حينها في طور التوسّع العسكري والجغرافي)، بل أساساً مع عدم قدرة النهج الإمبراطوري للخلافة، على الاحتفاظ بالعمق الجيوسياسي القارّي نفسِه، مع كل التآكل الذي أصاب أدوات التوسّع، بما في ذلك الطرق التجارية التي باتت عاجزة عن منافسة النظام التجاري الجديد الذي أتت به الاكتشافات الجغرافية الغربية.
والحال أنّ ما انتهى هنا ليس الخلافة كحُكم بالمعنى المباشر، على اعتبار أنّ الحكم العثماني قد تعايَشَ لعقود مع الفتوحات الجغرافية الغربية في مرحلة القرون الوسطى، بل النمط العالمي للحكم الإسلامي بوصفه الشكل المهيمن لعلاقات القوّة والنفوذ، في مرحلة ما قبل التوسُّع الغربي جنوباً وغرباً باتجاه المستعمرات الأفريقية والأميركية الجنوبية، وصولاً إلى نظيرتها الآسيوية التي تكثَّفت وتركّزت فيها فصول المواجهة الأخيرة بين العثمانيين والغرب.
* كاتب سوري


تعليقات