تتناول المقالة التحولات الاجتماعية والثقافية والسياسية التي أعادت تشكيل الضمير الجمعي العربي خلال العقود الخمسة الماضية، وانعكاس ذلك على موق...
جاد طعمة* عندما وقعت نكبة عام 1948 لم يخسر الفلسطينيون أرضهم فقط، بل ولد في المشرق العربي حدث مؤسس أعاد تعريف السياسة والثقافة والهوية في المنطقة بأسرها.
I
ليست القضايا الكبرى مجرد أحداث سياسية تعيش في أرشيف التاريخ، بل هي أفكار تسكن وجدان الشعوب وتشارك في تشكيل صورتها عن نفسها وعن العالم. وعندما تتغير مكانة قضية ما داخل الضمير الجمعي لأمة بأكملها، فإن الأمر لا يكون مجرد تبدل في المواقف السياسية، بل تحوّلاً في بنية الوعي ذاتها.
من هنا تبرز الإشكالية التي تحاول هذه الدراسة مقاربتها: كيف انتقلت فلسطين خلال نصف قرن من موقع القضية المؤسسة للهوية العربية الحديثة إلى القضية المركزية أخلاقياً وووجدانياً، لكنها لم تعد الحاسمة في ترتيب أولويات قطاعات واسعة من مجتمعات العربية؟
إن الإجابة عن هذا السؤال لا تبدأ من إسرائيل، ولا من اتفاقيات التطبيع، ولا حتى من الصراعات الإقليمية الراهنة، بل تبدأ من فهم الدور الذي لعبته فلسطين نفسها في تشكيل الوعي العربي خلال النصف الثاني من القرن العشرين.
فلسطين: من أزمة هوية إلى قضية سياسية
عندما وقعت نكبة عام يخسر الفلسطينيون أرضهم فقط، بل ولد في المشرق العربي حدث مؤسس أعاد تعريف السياسة والثقافة والهوية في المنطقة بأسرها.
كانت المجتمعات العربية الخارجة لتوهامن حقبة الاستعمار الأوروبي تبحث عن مشروع جامع يتجاوز الحدود التي رسمتها اتفاقيات التقسيم والنفوذ. ولم تكن الدولة الوطنية العربية قد استقرت بعد بوصفها إطاراً نهائياً للهوية. ولهذا وجدت أجيال كاملة في فلسطين معنى يتجاوز الجغرافيا والسياسة.
تحولت فلسطين إلى مرآة عكست أسئلة العرب الكبرى: من نحن؟ ولماذا تأخرنا؟ وكيف نستعيد مكانتنا في التاريخ؟
لذلك لم تكن فلسطين مجرد بند في الخطابات الرسمية، بل أصبحت جزءاً من الثقافة الشعبية والأدب والشعر والمناهج التعليمية والأغاني الوطنية والخطاب الديني والسياسي على السواء.
كان المواطن العربي يرى في فلسطين قضية تخصه شخصياً، حتى لو لم يزرها يوماً، وحتى لو كانت تفصله عنها آلاف الكيلومترات.
كما اكتسبت فلسطين مكانتها الخاصة من تداخل البعدين القومي والديني في الوعي العربي. فبالنسبة إلى قطاعات واسعة من المسلمين والمسيحيين العرب لم تكن فلسطين مجرد أرض متنازع عليها سياسياً، ارتبطت أيضاً برمزية دينية وتاريخية عميقة عززت حضورها الوجداني عبر الأجيال. وقد أسهم هذا التداخل بين الهوية القومية والرمزية الدينية في ترسيخ موقع القضية الفلسطينية داخل الضمير الجمعي العربي طوال عقود.
المقاومة بوصفها وظيفة اجتماعية
في تلك المرحلة لم تكن المقاومة مجرد رد فعل عسكري على الاحتلال. لقد أدت وظيفة اجتماعية وثقافية أعمق.
فالمقاومة منحت الفرد العربي شعوراً بالمشاركة في قضية كبرى تتجاوز حدود حياته اليومية. وكانت تمثل في المخيلة الجماعية صورة الإنسان القادر على رفض الخضوع والتمسك بحقه رغم اختلال موازين القوى. ومن هنا اكتسب المقاوم مكانة رمزية استثنائية.
لم يكن رمز المقاومة يقتصر على الفلسطيني الذي يحمل السلاح، بلكان يمثل فكرة أوسع تتعلق بإمكانية الفعل والتغيير في مواجهة الاحتلال والهيمنة والتبعية. لهذا السبب أصبحت المقاومة جزءاً من تعريف الذات العربية، لا مجرد وسيلة من وسائل الصراع.
كانت المقاومة حاضرة في الأعمال الفنية والمسرحية، في الأناشيد والأغاني، وفي كثير من التفاصيل ذات التأثير في الحياة اليومية لكل مواطن Arabe.
سقوط الرواية الرسمية depuis 1967.
أعرض العالم العربي إلى واحدة من أعنف الصدمات C'est toi qui es là.
لم تكن الهزيمة عسكرية فقط، بلكانت هزيمة للرواية التي بشرت بها الأنظمة العربية طوال سنوات. فشعارات الوحدة والتحرير والتقدم وجدت نفسها أمام اختبار قاسٍ كشف الفجوة بين الخطاب والواقع.
خمسة من الجيوش العربية التي كانت تتولى الدفاع عن القضية المركزية وتشكل صمام أمانها سقطت سقوطا مروعا خلال أقل من خمسة أيام.
المفارقة أن القضية الفلسطينية لم تسقط بعد الهزيمة، لكن جرى اعادة إنتاجها بصورة مختلفة.
ففي الوقت الذي تراجعت فيه الثقة بالمؤسسات الرسمية، بدأت المقاومة الفلسطينية تكتسب شعبية متزايدة. وتحولت من حركة تحرر فلسطينية إلى رمز عربي واسع يعبر عن رفض الهزيمة والبحث عن بديل للمشروع الرسمي المتعثر.
من هنا يمكن فهم المكانة التي احتلتها المقاومة في الوعي العربي خلال السبعينيات، حين أصبحت معاركها وأخبارها جزءاً من الحياة اليومية لملايين العرب.
تعميم التسوية كخيار بديل للصراع
جاءت حرب اكتوبر عام 1973 لتمنح العرب مجدداً شعوراً بإمكانية تعديل موازين القوى، لكنها فتحت في الوقت نفسه الباب أمام مرحلة جديدة قادتها بعض الأنظمة العربية وعنوانها البحث عن التسويات السياسية.
مع توقيع اتفاقية كامب ديفيد ثم معاهدة السلام المصرية - الإسرائيلية، بدأت للمرة الأولى منذ عام 1948 عملية إعادة تعريف الصراع نفسه.
لم يكن الأمر مجرد اتفاق سياسي بين دولتين، بل تحولاً استراتيجياً عميقاً أخرج أكبر دولة عربية من دائرة المواجهة العسكرية المباشرة.
ثم جاءت اتفاقيات لاحقة لتكرّس تدريجياً منطق التسوية بوصفه أحد الخيارات المطروحة في إدارة الصراع.
جمهورية مصر العربية بثقلها الاقليمي خرجت من دائرة المواجهة العسكرية المباشرة، وانتقلت من منطق الحرب إلى منطق إدارة المصالح.
ولعل أحد أكثر التحولات تأثيراً في تلك المرحلة كان التحول الاقتصادي نفسه. فمع نهاية السبعينيات وبداية الثمانينيات بدأت العديد من الدول العربية تعيد صياغة أولوياتها على أساس معادلات التنمية والاستقرار وجذب الاستثمارات والاندماج في الاقتصاد العالمي. وبالتدريج لم تعد فلسطين تُقاس فقط بمعايير الحق والعدالة والهوية، بل بدأت تُقاس أيضاً بمعايير الكلفة والعائد والمصلحة الاقتصادية الوطنية. ومن هنا بدأ الاقتصاد السياسي يزاحم الأيديولوجيا في تحديد أولويات القرار العربي، وهو تحول ستكون له آثار بعيدة المدى على الضمير الجمعي للأجيال اللاحقة.
هكذا لم يكن تأثير هذا التحول مقتصراً على السياسة والاقتصاد حصراً، بل امتد إلى الوعي العربي أيضاً.
إذ بدأت فكرة "الصراع العربي الإسرائيلي" تفقد تدريجياً مركزيتها لتحل محلها مقاربات أكثر ارتباطاً بمصالح كل دولة على حدة.
تآكل الوحدة العربية خلال الحرب العراقية - الإيرانية
Dans les années 1980, il s'agissait d'une affaire de 1980.
ثماني سنوات من الحرب كانت كافية لإحداث تحولات عميقة في البنية النفسية والسياسية للعالم العربي.
فقد انتقل مركز الاهتمام من فلسطين إلى جبهات أخرى، ومن فكرة العدو الخارجي الواحد إلى شبكة معقدة من الصراعات الإقليمية.
والأهم من ذلك أن الحرب عززت منطق الدولة الوطنية على حساب الفضاء العربي المشترك.
وباتت كل دولة تنظر إلى أمنها واستقرارها ومصالحها باعتبارها الأولوية الأولى، حتى ولو جاء ذلك على حساب القضايا الجامعة التي شكلت الوعي العربي في العقود السابقة. فالأمن الداخلي، الاقتصاد، الاستقرار، وبقاء النظام السياسي باتت أولويات تتقدم على أي مشروع قومي.
ولم يكن المقصود بالمصالح هنا الأمن فقط، بل الاقتصاد أيضاً. فسنوات الحرب والاستنزاف المالي دفعت العديد من الدول العربية إلى إعادة ترتيب أولوياتها الداخلية. وأصبحت الموازنات العامة، ومعدلات النمو، وأسعار النفط، والديون الخارجية، والاستقرار النقدي، عناصر أكثر حضوراً في صناعة القرار من Il s'agit d'une question importante à propos de la situation actuelle. وهكذا بدأت الدولة العربية تنظر إلى نفسها أن تنظر إلى نفسها جزءاً من مشروع عربي أوسع.
عند هذه النقطة تحديداً بدأ التحول السوسيولوجي الأهم. فالأجيال التي عاشت النكبة كانت تنظر إلى نفسها بوصفها جزءاً من أمة عربية تواجه تحدياً تاريخياً مشتركاً.
أما الأجيال التي نشأت في الثمانينيات، فقد بدأت تنظر إلى العالم من خلال حدود الدولة الوطنية وأزماتها الخاصة ومصالحها المباشرة.
لم تختف فلسطين من الوجدان العربي مباشرة، لكنها بدأت تفقد تدريجياً وظيفتها بوصفها العنصر الذي يوحد المجال العربي كله حول سردية مشتركة.
هكذا بدأ الضمير الجمعي العربي يدخل مرحلة جديدة لم يكن كثيرون يدركون ملامحها بعد.
هل تراجعت فلسطين أم تراجعت الهوية الجامعة؟
ربما يكون السؤال الأكثر دقة ليس: لماذا تراجعت فلسطين في الوعي العام العربي؟
بل: لماذا تراجعت الهوية العربية الجامعة التي منحت فلسطين مكانتها المركزية طوال عقود؟
فالقضية الفلسطينية لم تفقد رمزيتها، ولم تتوقف عن إثارة التعاطف الشعبي، لكنها فقدت تدريجياً البيئة الفكرية والثقافية التي كانت تجعلها جزءاً من تعريف الذات العربية.
ومن هنا فإن التحول الذي نشهده اليوم لا يمكن فهمه بوصفه نتيجة اتفاقيات سياسية فقط، باعتباره نتيجة أزمة أعمق أصابت البنية الثقافية التي حملت القضية الفلسطينية طوال النصف الثاني من القرن العشرين.
غير أن هذا الاستنتاج يفتح سؤالاً أكثر تعقيداً:
إذا كانت الهوية العربية المشتركة قد دخلت في مرحلة تراجع طويلة، فمن الذي أعاد تشكيل وعي الأجيال الجديدة؟ وكيف انتقل مفهوم المقاومة من موقع الإجماع النسبي إلى موقع الجدل والانقسام؟
II
إذا كانت المقالة الأولى قد انتهت إلى نتيجة مفادها أن القضية الفلسطينية فقدت تدريجياً موقعها بوصفها أحد العناصر المؤسسة للهوية العربية الحديثة، فإن السؤال الذي يفرض نفسه الآن هو: كيف حدث ذلك عملياً؟
فالأفكار الكبرى لا تختفي من تلقاء نفسها، والقضايا التي تسكن وجدان الشعوب لا تغادره فجأة. وبين جيل تربى على اعتبار فلسطين قضية وجودية للأمة العربية وجيل بات ينظر إليها باعتبارها واحدة من أزمات المنطقة الكثيرة، لا بد من وجود مؤسسات وقوى وأحداث أعادت تشكيل الوعي العام بصورة عميقة.
إن المسألة هنا لا تتعلق بمؤامرة سرية ولا بقرار سياسي منفرد، بل بعملية تاريخية طويلة شاركت فيها الدولة والجامعة والإعلام والحرب والاقتصاد والتكنولوجيا، وأدت مجتمعة إلى إعادة تعريف مفاهيم الهوية والمقاومة والعدو والصديق والمصلحة الوطنية.
من صناعة المواطن إلى صناعة الاختصاصي
Dans tous les cas, il y a des gens qui ont besoin d'aide. كانت فضاءً سياسياً وثقافياً واجتماعياً حياً.
Il y a beaucoup de choses à faire dans le domaine des affaires et des affaires. وفيها نوقشت قضايا التحرر الوطني والوحدة وفلسطين والتنمية والاستقلال. وكانت السياسة جزءاً من الحياة الجامعية اليومية. لكن العقود اللاحقة شهدت تحولات عميقة.
فمع توسع التعليم العالي وخصخصة أجزاء كبيرة منه، وتراجع العمل السياسي الطلابي في عدد من الدول العربية، انتقلت الجامعات تدريجياً من إنتاج المواطن المهتم بالشأن العام إلى إنتاج الخبير والموظف والمتخصص.
وليس المقصود هنا التقليل من أهمية التخصص العلمي، بلإشارة إلى أن الفضاء الذي كان يعيد إنتاج القضايا العامة والهوية المشتركة فقد كثيراً من تأثيره.
هكذا بدأت الأجيال الجديدة تتخرج وهي أكثر ارتباطاً بسوق العمل وأقل ارتباطاً بالمشروعات الفكرية والسياسية الكبرى التي شغلت الأجيال السابقة.
وقد تزامن ذلك مع صعود نموذج اقتصادي جديد يقوم على الفردانية والمنافسة المهنية والنجاح الشخصي. فبدلاً من أن يتخرج الشاب العربي وهو يفكر في قضايا التحرر والوحدة والتنمية الشاملة، أصبح يفكر في فرص العمل والهجرة وتحسين دخله الفردي. ولم يكن هذا التحول مجرد تغير في الاهتمامات، بل كان إعادة تشكيل عميقة لمنظومة القيم نفسها، إذ تراجعت القضايا الجماعية لمصلحة الطموحات La faïdaïte.
الإعلام وإعادة تعريف الواقع
إذا كانت المدرسة والجامعة تصنعان جزءاً من الوعي العام، فإن الإعلام يصنع الجزء الأكبر منه.
في العقود الأولى بعد النكبة كانت صورة إسرائيل في الإعلام العربي واضحة نسبياً: دولة احتلال، وعدو سياسي وعسكري، وقضية فلسطين قضية مركزية.
لكن منذ التسعينيات بدأت الصورة تتغير تدريجياً.
فمع ظهور الفضائيات العابرة للحدود، ثم مع صعود الإعلام الإخباري المستمر، بدأ المشاهد العربي يتعرض لخطابات جديدة ومقاربات مختلفة.
للمرة الأولى أصبح من المألوف أن يظهر مسؤولون أو متحدثون إسرائيليون على الشاشات العربية، وأن تنتقل القضية الفلسطينية من موقع المسلمة السياسية إلى موقع الموضوع القابل للنقاش.
الأمر هنا لا يتعلق بالحكم الأخلاقي على هذه الظاهرة بل بفهم آثارها السوسيولوجية.
فمجرد الانتقال من منطق القطيعة المطلقة إلى الحوار الإعلامي، فإن ذلك يترك أثراً عميقاً في تشكيل الوعي العام، لأنه يعيد تعريف صورة الآخر وموقعه داخل الفضاء العام.
الإعلام واقتصاد المشاهدة
لم يكن التحول الإعلامي منفصلاً عن التحول الاقتصادي.
مع صعود الفضائيات الخاصة وتزايد المنافسة على نسب المشاهدة والإعلانات، أصبحت القضايا السياسية تُقدَّم بصورة أكثر ارتباطاً بمنطق السوق الإعلامية.
هكذا انتقلت الأولوية تدريجياً من بناء الوعي العام إلى جذب الجمهور والمحافظة عليه.
في هذا السياق دخلت القضايا الكبرى، ومنها القضية الفلسطينية، في منافسة يومية مع الأخبار الأمنية واقتصادية والترفيهية، ما ساهم في إعادة ترتيب موقعها داخل المجال العام العربي.
غير أن هذا التحول لا يعني أن فلسطين فقدت قدرتها على مخاطبة الضمير الإنساني خارج المجال العربي. فخلال العقود الأخيرة، ولا سيما مع اتساع وسائل الاتصال العالمية وانتشار الصور الحية للحروب والنزاعات، عادت القضية الفلسطينية لتحتل موقعاً متقدماً في النقاشات الحقوقية والإنسانية في العديد من المجتمعات الغربية. ولم يكن ذلك نتيجة تحوّل تلك المجتمعات إلى تبنّي الهوية العربية أو السردية القومية العربية، بل نتيجة تفاعل قطاعات واسعة من الرأي العام مع مبادئ العدالة وحقوق الإنسان ورفض الاحتلال والعقاب الجماعي.
كما ساهم في ذلك صعود الثقافة الحقوقية العالمية منذ نهاية الحرب الباردة، واتساع تأثير المنظمات الحقوقية والجامعات وحركات المجتمع المدني التي باتت تنظر إلى كثير من الصراعات من زاوية القانون الدولي وحقوق الإنسان أكثر مما تنظر إليها من زاوية التحالفات السياسية التقليدية.
هكذا برزت فلسطين مجدداً في أجزاء من المجال العام العالمي بوصفها قضية أخلاقية وإنسانية تتجاوز حدود الانتماءات القومية والدينية.
تعدد الأعداء على حساب العدو المركزي
الإعلام وحده لا يفسر ما جرى، فالعقود الأخيرة شهدت تحولات دراماتيكية في بنية الصراعات داخل المنطقة.
بعد الحرب العراقية الإيرانية جاءت حرب الخليج، ثم جاء غزو العراق عام 2003,، ثم جاءت أحداث الحادي عشر من أيلول والحرب العالمية على الإرهاب، ثم جاءت الحروب الأهلية والانقسامات الطائفية والمذهبية تحت عنوان الربيع العربي.
ساهمت هذه الأحداث، سواء كانت نتيجة خيارات محلية أو تدخلات دولية أو تفاعل معقد بينهما، في إعادة ترتيب سلّم الأولويات داخل المجتمعات L'arabe.
ففي زمن سابق كان المواطن العربي يعرف من هو عدوه الرئيسي. أما في العقود الأخيرة فقد أصبح يعيش وسط شبكة معقدة من المخاوف والتهديدات المتداخلة.
أصبحت جزءاً من مشهد مزدحم بالأزمات والحروب والانهيارات.
إيران والفراغ العربي
في هذه الأثناء كانت المنطقة تشهد تحولاً آخر بالغ الأهمية.
فبينما كانت دول عربية عديدة تعيد ترتيب أولوياتها الداخلية والخارجية، كانت إيران توسع حضورها السياسي والإقليمي تحت عنوان دعم القضية الفلسطينية ومواجهة إسرائيل.
بصرف النظر عن المواقف المتباينة من السياسات الإيرانية، فإن النتيجة السوسيولوجية كانت واضحة. فالمقاومة التي كانت تُقدَّم سابقاً بوصفها قضية عربية جامعة أصبحت ترتبط تدريجياً بمحاور وتحالفات وصراعات إقليمية جديدة وأصبحت في نظر قطاعات من الرأي العام العربي مرتبطة بمحاور إقليمية تقودها إيران.
من هنا بدأ الانقسام.
فما كان يمثل سابقاً رمزاً شبه جامع، أصبح موضوعاً للخلاف السياسي بين العرب أنفسهم.
غير أن التحولات الثقافية لم تكن وحدها كافية لتغيير صورة المقاومة؛ فقد تزامنت مع تحولات جيوسياسية أعادت رسم التحالفات والانقسامات داخل المنطقة.
الثورة عبر وسائل التواصل الاجتماعي
التحول الأكبر في العالم العربي ربما لم يأت من السياسة، بل من التكنولوجيا.
وسائل التواصل الاجتماعي لم تغيّر فقط طريقة تداول المعلومات، بل غيّرت طريقة تكوين القناعات نفسها.
في الماضي كانت المؤسسات التقليدية ـ المدرسة والجامعة والحزب والصحيفة ـ تلعب دور الوسيط بين الفرد والعالم.
أما اليوم فقد أصبح الفرد يتلقى المعلومات مباشرة من آلاف المصادر المتنافسة. وهنا لم تعد المشكلة في وجود خطاب واحد أو رواية واحدة، بل في وجود عدد لا يحصى من الروايات المتصارعة.
بهذا المعنى فإن وسائل التواصل لم تنزع الشرعية عن المقاومة وحدها، بلنزعت الشرعية عن معظم المرجعيات التقليدية التي كانت تصوغ الوعي L'am.
وإذا كانت التحولات الحقوقية والثقافية العالمية قد فسّرت جانباً من عودة فلسطين إلى النقاش الدولي، فإن وسائل التواصل الاجتماعي فسّرت إذ تحولت إلى إحدى أهم الآليات التي ساهمت Il s'agit d'une question.
فأنتجت ظاهرة معاكسة تمثلت في تدويل الوعي بالقضية الفلسطينية. فالصورة التي كانت تمر سابقاً عبر قنوات سياسية وإعلامية محدودة أصبحت تصل مباشرة إلى ملايين الأفراد حول العالم. ونتيجة لذلك نشأت أشكال جديدة من التضامن العابر للحدود، لا تستند بالضرورة إلى الانتماء القومي أو الديني، بل إلى مفاهيم حقوق الإنسان والعدالة والكرامة الإنسانية. وهذا ما يفسر كيف استطاعت فلسطين أن تحافظ على حضور عالمي مؤثر حتى في المراحل التي كانت تشهد فيها تراجعاً نسبياً في مركزيتها داخل بعض البيئات العربية.
ضرب صورة المقاوم والمقاومة
السؤال الذي يفرض نفسه في نهاية هذا المسار ليس ما إذا كانت المقاومة قد تغيرت فقط أو باتت مرتهنة داخل محاور اقليمية، بل ما إذا كانت البيئة التي كانت تمنحها شرعيتها الرمزية قد تغيرت هي الأخرى.
فالمقاومة لا تعيش في الفراغ. إنها تحتاج إلى سردية ثقافية وأخلاقية واجتماعية تمنحها معناها.
عندما تتغير هذه السردية، تتغير معها نظرة الناس إلى المقاومة وإلى الصراع وإلى المستقبل. لهذا السبب فإن الجدل الدائر اليوم حول المقاومة لا يمكن فهمه بعيداً عن التحولات العميقة التي أصابت بنية الوعي العربي خلال العقود الماضية.
استحضار مفردات "الواقعية السياسية"؟
السؤال الأكثر أهمية في هذه المرحلة ليسمن شيطن المقاومة ومن دافع عنها، بلمن أعاد تعريف مفهوم الواقعية السياسية نفسه.
خلال نصف قرن انتقل جزء كبير من الخطاب العربي من الحديث عن التحرير إلى الحديث عن الاستقرار، ومن الحديث عن الصراع إلى الحديث عن إدارة المصالح، ومن الحديث عن القضايا الكبرى إلى الحديث عن أولويات الدولة الوطنية وصار جذب الاستثمارات الخارجية الهدف الأسمى لتحسين المداخيل الفردية.
ومع صعود العولمة الاقتصادية في التسعينيات، بدأت شرائح واسعة من النخب السياسية والاقتصادية العربية تنظر إلى العلاقات الدولية من زاوية الأسواق والتكنولوجيا والاستثمار أكثر مما تنظر إليها من زاوية الصراع الأيديولوجي. وشيئاً فشيئاً انتقل النقاش العام من سؤال: كيف نحرر الأرض؟ إلى سؤال: كيف نحقق النمو الاقتصادي؟ ولم يكن لهذا التحول أثر على السياسات العامة فحسب، بل انعكس أيضاً على اللغة التي باتت تستخدمها النخب في وصف الأولويات الوطنية.
هذا التحول لم يكن نتيجة تطور طبيعي في المجتمعات العربية بل جاء أيضاً نتيجة ضغوط دولية وتحولات اقتصادية وصعود نخب سياسية وإعلامية Jadida.
وهنا تحديداً تبدأ الإشكالية الأخيرة في هذه السلسلة.
فإذا كانت العربي إلى اللحظة التي أصبح فيها التطبيع خياراً سياسياً مقبولاً لدى بعض الدول، وموضع قابل للنقاش وحتى الجدل بشكل أقل حدة مما كان عليه في الماضي؟
III
إذا كانت المقالة الأولى قد انتهت إلى أن فلسطين فقدت تدريجياً موقعها بوصفها أحد الأعمدة المؤسسة للهوية العربية الحديثة، وإذا كانت المقالة الثانية قد ناقشت الكيفية التي تغيرت بها المؤسسات المنتجة للوعي من جامعة وإعلام وتكنولوجيا وسياسة، فإن السؤال الأخير يصبح أكثر حساسية من كل ما سبقه:
كيف وصل العالم العربي إلى اللحظة التي بات فيها التطبيع ممكناً سياسياً، ومقبولاً أو قابلاً للنقاش اجتماعياً في بعض البيئات العربية، بعد أن كان يُنظر إليه لعقود طويلة باعتباره خروجاً على الإجماع القومي؟
إن الإجابة عن هذا السؤال لا تبدأ من الاتفاقيات السياسية، بل من التحولات العميقة التي أصابت المجتمع العربي نفسه.
من المواطن المقاوم إلى المواطن القَلِق
في النصف الثاني من القرن العشرين نشأ المواطن العربي داخل منظومة فكرية كانت تمنحه شعوراً بأنه جزء من قضية كبرى.
كانت فلسطين حاضرة في المدرسة والجامعة والإعلام والخطاب السياسي والثقافة العامة. وكان الصراع مع إسرائيل يُقدَّم بوصفه جزءاً من معركة تاريخية تتعلق بالتحرر، والسيادة، والكرامة، والهوية.
أما المواطن العربي في العقود الأخيرة فقد وجد نفسه داخل عالم مختلف تماماً. عالم فيه: حروب أهلية، انهيارات اقتصادية، بطالة متزايدة، هجرة جماعية، أزمات مالية، دول متعثرة، ومجتمعات تبحث عن الحد الأدنى من الاستقرار.
لقد دخل المواطن العربي العقود الأخيرة وسط تحولات اقتصادية واجتماعية عميقة. فبينما كانت الأجيال السابقة تنظر إلى نفسها بوصفها جزءاً من مشروع جماعي يرتبط بالتحرير والوحدة والنهضة، وجدت الأجيال الجديدة نفسها أمام تحديات أكثر مباشرة تتعلق بالعمل، والدخل، والهجرة، والاستقرار. ومع صعود العولمة الاقتصادية واتساع ثقافة النجاح الفردي، تراجعت القضايا الجماعية تدريجياً داخل الحياة اليومية لمصلحة هموم الفرد ومصالحه المباشرة. ولم يكن ذلك نتيجة تبدل أخلاقي في القيم بقدر ما كان انعكاساً لتحول البيئة الاقتصادية والاجتماعية التي يعيشها الإنسان العربي المعاصر.
في مثل هذه الظروف لم يعد السؤال الأول لدى كثير من الناس: كيف نغيّر المنطقة؟
بل أصبح: كيف نحمي أنفسنا من الانهيار؟
هنا بدأ التحول الأعمق في الضمير الجمعي العربي.
الربيع العربي وإعادة ترتيب الأولويات
عندما اندلعت الانتفاضات العربية عام 2011 بدا للحظة أن المنطقة تدخل عصراً جديداً.
لكن السنوات اللاحقة حملت مسارات أكثر تعقيداً. ففي عدد من الدول تحولت الانتفاضات إلى حروب. وفي دول أخرى تحولت إلى أزمات سياسية واقتصادية طويلة. وفي دول ثالثة عززت الدولة حضورها الأمني خشية الانهيار.
خلال هذه المرحلة انتقلت الأولوية في وعي قطاعات واسعة من المجتمعات العربية من القضايا الخارجية إلى المخاوف الداخلية.
لم تعد فلسطين تختفي من المشهد، لكنها أصبحت تتقاسم المساحة مع أسئلة أكثر إلحاحاً تتعلق بالأمن والعمل والهجرة ومستقبل الدولة نفسها.
ولعل أحد أعمق التحولات التي شهدها العالم العربي خلال العقود الأخيرة يتمثل في انتقال مفهوم الكرامة نفسه من المجال الجماعي إلى المجال الفردي. فبعدما ارتبطت الكرامة لدى أجيال سابقة بالتحرير والوحدة والسيادة الوطنية، باتت ترتبط لدى قطاعات واسعة من الأجيال الجديدة بالعمل والدخل والاستقرار وفرص الحياة الكريمة. ولم يكن هذا التحول تعبيراً عن تراجع القيم الوطنية بقدر ما كان انعكاساً لتغير الظروف الاجتماعية والاقتصادية التي يعيشها الإنسان العربي المعاصر.
من الصراع العربي الإسرائيلي إلى شبكة صراعات متداخلة
خلال عقود طويلة كان الشرق الأوسط يُقرأ من خلال عنوان واحد تقريباً: الصراع العربي الإسرائيلي. اليوم فقد أصبح المشهد أكثر تعقيداً.
فهناك: الصراع الإيراني الإسرائيلي، الصراعات المذهبية، الحروب الأهلية، المنافسات الإقليمية، الأزمات الاقتصادية، والتحولات الدولية.
كل هذه الملفات دخلت إلى الوعي العربي وأعادت ترتيب سلم الأولويات داخله.
هكذا انتقلت فلسطين من موقع القضية الوحيدة تقريباً إلى موقع القضية المركزية ضمن مجموعة واسعة من القضايا المتنافسة.
التطبيع: نتيجة أم سبب؟
غالباً ما يُقدَّم التطبيع باعتباره سبب التحول الذي أصاب الوعي العربي.
لكن القراءة السوسيولوجية تقود إلى استنتاج مختلف. فالتطبيع لم يكن بداية المسار بقدر ما كان أحد نتائجه. ذلك أن المجتمعات لا تنتقل فجأة من الرفض المطلق إلى القبول النسبي.
بل تمر بمراحل طويلة من إعادة تعريف المفاهيم والقيم والأولويات.
فحين تراجعت الهوية العربية الجامعة، وحين أعادت الحروب تشكيل الخوف الجماعي. وحين تغير الإعلام والجامعة ووسائل التواصل، وحين تحولت الدولة الوطنية إلى المرجعية العليا في التفكير السياسي. أصبح المجال العام العربي مختلفاً عما كان عليه في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي. ومن داخل هذا المجال الجديد وُلدت أشكال جديدة من التفكير السياسي، وكان التطبيع أحد تعبيراتها. فحين تتغير أولويات المجتمعات، تتغير معها الحدود الفاصلة بين الممكن والمستحيل في السياسة.
هل خسر العرب فلسطين في وعيهم؟
ربما تكون هذه هي أكثر الأسئلة إثارة للجدل. الجواب، أكثر تعقيداً من نعم أو لا. فلسطين ما تزال حاضرة في الوجدان العربي، وتظهر استطلاعات الرأي وموجات التضامن الشعبي المتكررة أن القضية لم تفقد مكانتها الأخلاقية والرمزية. لكن ما تراجع بالفعل هو موقعها بوصفها المرجعية الوحيدة أو المركزية التي تنتظم حولها بقية القضايا. لقد تغيرت البيئة التي كانت تمنح فلسطين هذه المكانة الاستثنائية، وتغير معها موقعها داخل الوعي العربي.
المقاومة بين الذاكرة والواقع
الأمر نفسه ينطبق على المقاومة. فالمقاومة لم تختفِ من الضمير العربي، لكنها لم تعد تحظى بالإجماع الرمزي الذي تمتعت به في مراحل سابقة. فقد أصبحت تُقرأ في ضوء الانقسامات السياسية والإقليمية والطائفية التي شهدتها المنطقة خلال العقود الأخيرة. هذا لا يعني أن صورتها انهارت، بل يعني أن البيئة الاجتماعية التي كانت تنتج الإجماع حولها لم تعد موجودة بالصورة نفسها. بعد نصف قرن من التحولات المتراكمة يبدو السؤال الحقيقي مختلفاً عما اعتدنا طرحه. فالقضية ليست فقط كيف تغيّرت فلسطين في الوعي العربي، ولا كيف تغيّرت صورة المقاومة، ولا حتى كيف ظهرت موجات التطبيع. لكن القضية الأعمق تبقى: كيف تغيّر العربي نفسه؟
كيف انتقل من فضاء كانت تحدده السرديات الكبرى؛ العروبة والتحرير والوحدة والمقاومة، إلى فضاء تحكمه الدولة الوطنية والهواجس الأمنية والأزمات الاقتصادية وأسئلة النجاة الفردية.
من هنا فإن فهم التطبيع أو فهم تراجع مركزية القضية الفلسطينية لا يكتمل بالبحث في السياسات وحدها، بل يقتضي البحث في التحولات الاجتماعية والثقافية التي أعادت تشكيل الضمير الجمعي العربي خلال العقود الخمسة الماضية.
فربما لا يكون السؤال الأهم اليوم: ماذا حدث لفلسطين؟ بل: ماذا حدث للعرب أنفسهم؟
بعد ثلاثة أرباع قرن على النكبة، لم يعد السؤال مقتصراً على ما إذا كانت فلسطين قد خرجت من مركز الوعي العربي، بل أصبح السؤال أكثر عمقاً: ما الذي تغير في الإنسان العربي نفسه؟ وما الذي جعل أولوياته ومخاوفه وصورته عن المستقبل تختلف إلى هذا الحد عما كانت عليه لدى الأجيال السابقة؟ فربما كانت الإجابة عن هذا السؤال هي المفتاح لفهم كل ما سبقه؛ من تراجع الهوية الجامعة، إلى انقسام الموقف من المقاومة، إلى صعود التطبيع بوصفه أحد تجليات التحول الأوسع في الضمير الجمعي العربي. فالقضية، في نهاية المطاف، ليست فقط ما الذي حدث لفلسطين، بل ما الذي حدث للعرب أنفسهم
* استاذ في كلية الحقوق وياحث في قضابا الحوكمة والامثتال القانوني


تعليقات