تعيش أوروبا اليوم منعطفا أيديولوجيا حادا لم تشهده منذ عقود؛ فبينما كانت قوى الوسط تحكم قبضتها على المشهد السياسي لعقود متتالية، وتبني تحالفا...
تعيش أوروبا اليوم منعطفا أيديولوجيا حادا لم تشهده منذ عقود؛ فبينما كانت قوى الوسط تحكم قبضتها على المشهد السياسي لعقود متتالية، وتبني تحالفاتها على براغماتية حذرة، ها هي الخريطة تتشقق أمام موجتين متعاكستين تتصادمان بعنف: موجة يمينية متطرفة تتغذى على الخوف وترفع شعارات الهوية والانغلاق، وموجة يسارية تقدمية تستيقظ على وقع أزمات وجودية متراكمة.
في هذا السياق ، احتضنت مدينة برشلونة الإسبانية السبت الماضي المؤثمر الرابع من "القمة التقدمية الدولية" التي حملت عنوان "دفاعا عن الديمقراطية"، في المقابل كانت مدينة ميلانو الإيطالية تستضيف في اليوم ذاته تجمعا لقادة اليمين المتطرف الأوروبي.ولم يكن هذا التزامن صدفة، بل استعراضا مقصودا لمعادلة الصراع؛ فبينما جاءت ميلانو لتعلن رفض الهجرة وانتقاد بيروقراطية الاتحاد الأوروبي، جاءت برشلونة لتؤسس لرؤية مختلفة تماما تقوم على الاستقلالية الإستراتيجية لأوروبا والسلام والتضامن الدولي.
غير أن اللافت للنظر هو الضعف الذي بات يعتري اليمين المتطرف؛ فحزب الرابطة الإيطالي -الذي نظم تجمع ميلانو- لا يحظى اليوم إلا بـ6 إلى 8% من نوايا التصويت وفق أحدث الاستطلاعات، بعد أن كانت شعبيته تبلغ 17.35% عام 2018، ولا أدل على هذا التراجع من أن هذا التجمع لم يحضره أوربان نفسه، بعد أسبوع واحد فقط من إطاحة الناخبين المجريين به بعد 16 عاما في السلطة.
ما يجري في أوروبا ليس مجرد تنافس انتخابي، بل معركة قيم حقيقية يتشكل على أرضيتها مستقبل القارة وموقفها من الإنسان اللاجئ، ومن الشعب الفلسطيني تحت الحصار، ومن اتفاقيات الشراكة مع إسرائيل التي باتت محل مراجعة صارمة.
غزة غيرت مفاهيم أوروبا
ولا يمكن فهم صعود اليسار الأوروبي بمعزل عن الصدمة الأخلاقية التي أحدثتها الحرب على غزة في وعي الجمهور الأوروبي، فما شهده العالم من مجازر وتجويع متعمد وصور الأطفال تحت الأنقاض أفرز تمردا شعبيا حقيقيا ضد وسائل الإعلام التقليدية التي انكشف انحيازها، وبات الجمهور الأوروبي يستقي الأخبار من مصادرها الأصيلة.فالقضية الفلسطينية باتت معيارا لمصداقية القيم الأوروبية ذاتها؛ ف بحيث لا يمكن الحديث عن الديمقراطية وحقوق الإنسان مع تعليق هذه المبادئ حين تُنتهك في غزة والضفة.
هذه الصحوة الجماهيرية نفسها هي التي دفعت نحو 400 وزير وسفير ومسؤول سابق في الاتحاد الأوروبي إلى توقيع نداء عاجل يطالب بتعليق اتفاقية الشراكة بين الاتحاد وإسرائيل، وذلك بعد عريضة للمفوضية الأوروبية وقّع عليها أكثر من مليون أوروبي يطالبون بالأمر نفسه.
ومع تزايد الأصوات المطالبة بتعليق اتفاقية الشراكة مع إسرائيل، يقف اليسار الأوروبي اليوم أمام اختبار تاريخي: هل ينتقل من البيانات الختامية إلى التصويت المنسّق في البرلمان الأوروبي؟
امتلاك الرؤية وغياب الفعل المؤسساتي
فاليسار الأوروبي يمتلك الرؤية، لكنه ما زال يفتقر إلى الفعل المؤسسي الذي يحوّل الكلمات إلى واقع.هناك فجوة تاريخية بين ما يُعلنه اليسار الأوروبي من قيم وما يُترجمه فعليا في السياسات. لذا، تبدو إعادة تعريف الأدوات ومنهج العمل أمرا لا مناص منه إذا أريد لهذا التيار أن يتحول من أقلية حسنة النوايا إلى أغلبية فاعلة.
فاليسار الأوروبي يمتلك اليوم زخما لم يكن له قبل سنوات قليلة، لكن هذا الزخم ليس كافيا ليصبح أغلبية إلا إذا توفرت له القدرة على الانتقال من مجرد الإعلان والخطابات إلى الفعل الملموس والمستدام.
بتصرف عن "الجزيرة نت"

تعليقات