بيار عقيقي* وفقاً لعالم الأعصاب جاريد كوني هورفاث، الجيل الجديد الذي يُطلق عليه اسم "جيل زد" (المولودون بين عامي 1997 و2012)، هو أ...
وفقاً لعالم الأعصاب جاريد كوني هورفاث، الجيل الجديد الذي يُطلق عليه اسم "جيل زد" (المولودون بين عامي 1997 و2012)، هو أوّل جيل في التاريخ يتبيّن أن أبناءه أقلُّ ذكاءً من آبائهم. حاجج هورفاث في إفادة أدلى بها أمام لجنة التجارة والعلوم والنقل في مجلس الشيوخ الأميركي، قبل أيام، بأن ذكاء "جيل زد" قد انخفض على الرغم من أن هؤلاء المراهقين والشباب يقضون وقتاً أطول في المدرسة، مقارنةً بأطفال القرن العشرين.
بيار عقيقي*
ومنذ بدء تسجيل بيانات التطوّر المعرفي في أواخر القرن التاسع عشر، أصبح "جيل زد" رسمياً أوّل جيل يحصل على درجات أقلّ من الجيل السابق، مع تراجع قدراته في الانتباه والذاكرة والقراءة والرياضيات، بالإضافة إلى مهارات حلّ المشكلات ومعدّل الذكاء العام. وأوضح هورفاث أن هذا الجيل قد تخلّف عن الركب لأن الدماغ البشري لم يُبرمَج أبداً على التعلّم من مقاطع فيديو قصيرة تُشاهد عبر الإنترنت، أو قراءة جمل تلخّص كتباً أطول بكثير وأفكاراً معقّدة.
لم يعد "المحظور" بعيداً. ها قد بتنا في قلبه. إن "جيل زد" سيكون الجيل القائد بعد عقود قليلة، لأجيال مفترض أن تأتي بعده. وبمعزل عن مفاهيم الذكاء والغباء، فإن شيئاً مختلفاً سيُصاغ في المستقبل من دون ترسيخ ثوروية من نوع ما. منذ قرون، تطرّق ابن خلدون إلى تفاصيل علم الاجتماع، وما زالت الصور والتركيبات المجتمعية والهيكلية الدولتية التي كتب عنها تتكرّر في كلّ فصل وعصر وبلد. ذلك لأن جوهر الخصائص البشرية هو نفسه، منذ هجرة الإنسان البدائي، إلى اعتماد النمط الزراعي، وصولاً إلى اليوم. طبائع الإنسان تتكيّف مع التغيّرات، من دون الخروج من ماهية الطبائع نفسها. اليوم، "جيل زد" بات فأر اختبار للأجيال العتيدة. الجيل الذي يُضحّى به، كما ضُحّي بجيل الحربَين العالميتَين، الأولى (1914 ـ 1918) والثانية (1939 ـ 1945). الناجون منه سيبنون مستقبلاً مرتكزاً على صمودهم في الاختبار.
الاختبار هنا تقني بامتياز، وهي المرّة الأولى في تاريخ البشرية التي يولد فيها جيل مرتبط بالتكنولوجيا بالكامل، بل تُطوَّر مع تعزيز أنظمة الذكاء الاصطناعي. من الصعب كبح الخيالات اليومية واللحظوية لما يُمكن للذكاء الاصطناعي الوصول إليه، لكن من السهل في المقابل فهم أنه ما دام هذا الذكاء بعيداً من تعديل الطبائع البشرية، فإن "جيل زد" لن يكون جيلاً كارثياً بالمقاييس البشرية. أمّا في حال تحوّل الذكاء الاصطناعي إلى تفكيك الشبكات العصبية الدماغية ومعالجة التطرّف في المشاعر، مثل القلق والاكتئاب والشعور بالاضطهاد والتوجّس من الآخر، فضلاً عن تثوير العلاج النفسي، فإن "جيل زد" سيتحوّل إلى جيل عتيق بالمعايير التي ستُبصر النور في السنوات القليلة المقبلة. وهنا لم يعد ناجعاً الحديث عن إصلاح أساليب التربية وتحديث مفاهيمها، مثل إبعاد الأطفال عن الحواسيب والهواتف، فقد تجاوزنا الزمن في هذه النقطة. أصبح الوضع الآن أقرب إلى مرحلة انتقالية بين أجيال؛ ليس بالضرورة أن تتقيّد بمهلٍ زمنية، بل ستأخذ مداها إلى الحدّ الذي يملّ منه جيل آتٍ، فيَهيم بالبحث عما يُشبع فضوله.
ليس "جيل زد" غبياً بالمفهوم التقليدي لكلمة "غباء" أو للتطوّر العكسي، بقدر ما أنه وضع البشرية برمّتها على حافة مرحلة انتقالية، وضمنها إعادة رسم تعريف الذكاء الكلاسيكي والاجتماعي، ما يسمح لأجيال أكبر بدراستهم، خصوصاً أولئك الذين أمضوا طفولتهم في المناسبات الاجتماعية، قبل مواكبة عصر الاختراعات التقنية. لكنّ الأهم في تلك المسألة هو سرعة التطوّر بين جيلَين، وهو ما لم يحصل قط في تاريخ البشرية. من لديه أطفال وُلدوا في العقدَين الأخيرَين يدرك أن التباينات معهم أكبر بكثير من التباينات التي عاشها مع جدّيه، على سبيل المثال. هناك كان التطوّر طبيعياً وتقليدياً إلى حدّ ما، رغم إفرازات الثورة الصناعية. اليوم بات التطوّر متسارعاً، ما يخلق الفروق بين أفراد الجيل الواحد حتى.
لم يعد "المحظور" بعيداً. ها قد بتنا في قلبه. إن "جيل زد" سيكون الجيل القائد بعد عقود قليلة، لأجيال مفترض أن تأتي بعده. وبمعزل عن مفاهيم الذكاء والغباء، فإن شيئاً مختلفاً سيُصاغ في المستقبل من دون ترسيخ ثوروية من نوع ما. منذ قرون، تطرّق ابن خلدون إلى تفاصيل علم الاجتماع، وما زالت الصور والتركيبات المجتمعية والهيكلية الدولتية التي كتب عنها تتكرّر في كلّ فصل وعصر وبلد. ذلك لأن جوهر الخصائص البشرية هو نفسه، منذ هجرة الإنسان البدائي، إلى اعتماد النمط الزراعي، وصولاً إلى اليوم. طبائع الإنسان تتكيّف مع التغيّرات، من دون الخروج من ماهية الطبائع نفسها. اليوم، "جيل زد" بات فأر اختبار للأجيال العتيدة. الجيل الذي يُضحّى به، كما ضُحّي بجيل الحربَين العالميتَين، الأولى (1914 ـ 1918) والثانية (1939 ـ 1945). الناجون منه سيبنون مستقبلاً مرتكزاً على صمودهم في الاختبار.
الاختبار هنا تقني بامتياز، وهي المرّة الأولى في تاريخ البشرية التي يولد فيها جيل مرتبط بالتكنولوجيا بالكامل، بل تُطوَّر مع تعزيز أنظمة الذكاء الاصطناعي. من الصعب كبح الخيالات اليومية واللحظوية لما يُمكن للذكاء الاصطناعي الوصول إليه، لكن من السهل في المقابل فهم أنه ما دام هذا الذكاء بعيداً من تعديل الطبائع البشرية، فإن "جيل زد" لن يكون جيلاً كارثياً بالمقاييس البشرية. أمّا في حال تحوّل الذكاء الاصطناعي إلى تفكيك الشبكات العصبية الدماغية ومعالجة التطرّف في المشاعر، مثل القلق والاكتئاب والشعور بالاضطهاد والتوجّس من الآخر، فضلاً عن تثوير العلاج النفسي، فإن "جيل زد" سيتحوّل إلى جيل عتيق بالمعايير التي ستُبصر النور في السنوات القليلة المقبلة. وهنا لم يعد ناجعاً الحديث عن إصلاح أساليب التربية وتحديث مفاهيمها، مثل إبعاد الأطفال عن الحواسيب والهواتف، فقد تجاوزنا الزمن في هذه النقطة. أصبح الوضع الآن أقرب إلى مرحلة انتقالية بين أجيال؛ ليس بالضرورة أن تتقيّد بمهلٍ زمنية، بل ستأخذ مداها إلى الحدّ الذي يملّ منه جيل آتٍ، فيَهيم بالبحث عما يُشبع فضوله.
ليس "جيل زد" غبياً بالمفهوم التقليدي لكلمة "غباء" أو للتطوّر العكسي، بقدر ما أنه وضع البشرية برمّتها على حافة مرحلة انتقالية، وضمنها إعادة رسم تعريف الذكاء الكلاسيكي والاجتماعي، ما يسمح لأجيال أكبر بدراستهم، خصوصاً أولئك الذين أمضوا طفولتهم في المناسبات الاجتماعية، قبل مواكبة عصر الاختراعات التقنية. لكنّ الأهم في تلك المسألة هو سرعة التطوّر بين جيلَين، وهو ما لم يحصل قط في تاريخ البشرية. من لديه أطفال وُلدوا في العقدَين الأخيرَين يدرك أن التباينات معهم أكبر بكثير من التباينات التي عاشها مع جدّيه، على سبيل المثال. هناك كان التطوّر طبيعياً وتقليدياً إلى حدّ ما، رغم إفرازات الثورة الصناعية. اليوم بات التطوّر متسارعاً، ما يخلق الفروق بين أفراد الجيل الواحد حتى.
*صحفي لبناني من أسرة "العربي الجديد"
.jpg.webp)

تعليقات