محمد المساوي* في لحظات الانكسار الجماعي، كما يحدث عقب هزيمة رياضية موجِعة، تميل المجتمعات إلى البحث عن تفسير سريع. تبحث عن جملة جاهزة أو عن ...
![]() |
| محمد المساوي* |
في هذا السياق عاد إلى التداول، بعد خسارة المنتخب المغربي لكأس إفريقيا أمام السينغال، مقولة عبد الله العروي الشهيرة: "المغرب جزيرة"، لكن للاسف، لم يتم التعامل مع المقولة بوصفها فكرة تحليلية قيلت في سياق تاريخي وفكري محدد، بل كأنه بيان سياسي جاهز، او دعوة صريحة الى الانغلاق وقطع الصلة بإفريقيا والدول العربية. و في هذا الاستدعاء الانفعالي، لم تُشوه فقط عبارة العروي بل شُوه فكره كله، وجرى توظيفه في خطاب وطني شوفيني، أطلق العنان لأسوأ ما في اللاوعي الجماعي من عنصرية واحتقار للآخر.
قال العروي هذه العبارة في حوار تلفزيوني مع القناة الأولى سنة 2005، في سياق حديثه عن موقع المغرب الجغرافي والسياسي، وعن علاقته بالقضايا المشرقية والعربية وفي ظرف لم تمر عليه اقل من ثلاث سنوات على ازمة جزيرة ليلى، كان الرجل كعادته يفكر بمنطق المؤرخ وبعقل استراتيجي ولم يكن خطيبا يهرق العواطف الجياشة. حين قال إن المغرب "جزيرة"، لم يكن يقصد جزيرة مكتفية بذاتها أو منغلقة على محيطها، بل كان يستعمل استعارة جغرافية/ سياسية ليشير إلى وضعية خاصة: بلد في أقصى الغرب الاسلامي، بعيد جغرافيا عن بؤر الصراع في الشرق الاوسط، محاط بتحديات إقليمية معقدة، ومطلوب منه بأن يبني خياراته على قراءة واقعية لمصالحه وتاريخه، لا على الاندفاع العاطفي أو التماهي الخطابي.
في فكر العروي، لا توجد أبدا دعوة إلى القطيعة مع العرب أو مع إفريقيا، ولا إلى الانكماش الهوياتي. على العكس مشروعه الفكري كله قائم على نقد الأوهام، سواء كانت أوهام الأصالة الخالصة أو أوهام الانتماء الرومانسي غير المفكر فيه. "الجزيرة" عنده ليست عزلة، بل موقعا يفرض نمطا خاصا من التفكير السياسي: التفكير الذي يبدأ من الداخل، من بناء الدولة والعقل والمؤسسات، قبل الانشغال المرضي بدور أخلاقي أو رمزي في قضايا لا نملك أدوات التأثير فيها.
غير أن ما حدث بعد الخسارة الرياضية لم يكن قراءة فكرية، بل كان تفريغا نفسيا جماعيا، استحضرت فيه عبارة العروي بطريقة فجة لاستعمالها كذخيرة حية في معركة وهمية ضد "الآخر"؛ الإفريقي، العربي، بل وضد كل من لا يشارك في نشوة الوطنية الجريحة. هنا خرج الخطاب عن أي نقاش عقلاني، وسمعنا أوصافا عنصرية خطيرة، وادعاءات وقحة عن "أصدقاء المغرب الحقيقيين" وصلت حد تمجيد دولة عنصرية مجرمة قائمة على القتل واشلاء الاطفال والنساء، فقط نكاية في محيط إفريقي وعربي جرى تحميله مسؤولية هزيمة كروية، وهناك صحافيون ومثقفون واساتذة من دفعته خفة الوطنية الشوفينية الى سب كل الافارقة واعتبارهم ابناء زنا، هكذا بالمطلق وبصيغة التجميع، وهناك من طالب بترحيلهم عن المغرب فورا؟؟!
الحقيقة ان هذا النوع من التأويل ليس جديدا في تاريخ الأفكار. بل إن ما جرى مع العروي يُذكرنا بشكل مقلق، بما جرى لفلسفة نيتشه حين اقتطعت مفاهيم مثل "ارادة القوة" و"الانسان الأعلى" من سياقها النقدي، وأُعيد توظيفها لتبرير الفاشية والعنصرية والتفوق العرقي، في حين أن نيتشه نفسه كان من أشرس نقاد القومية الضيقة والعقل الجماعي القطيعي. في الحالتين، نحن أمام عملية واحدة: اختزال فكر معقد في شعار بسيط، ثم شحن هذا الشعار بأهواء أيديولوجية لم تكن في الأصل جزءا منه.
العروي، مثل نيتشه، كان دائما ضحية هذا النوع من العنف التأويلي. وهو نفسه عبّر غير مرة عن انزعاجه من الطريقة التي تُبسط بها أفكاره أو تستعمل خارج سياقها. فكرُه ليس وصفة جاهزة، ولا خطابا تعبويا، بل تمرين شاق على العقلانية التاريخية، لذلك فإن تحويل "المغرب جزيرة" إلى دعوة للانغلاق، أو إلى مبرر لاحتقار إفريقيا والعرب، ليس فقط إساءة أخلاقية، بل هو خطأ معرفي فادح.
الأخطر في هذا كله أن هذا التأويل المغرض لم يقتصر على أصوات هامشية في مواقع التواصل، بل شارك فيه صحافيون ومثقفون، يفترض فيهم الحد الأدنى من المسؤولية المعرفية والأخلاقية. حين ينزلق المثقف إلى لغة الشارع الغاضب، وحين يستبدل التحليل بالتجييش، فإنه لا يخون الفكر فقط، بل يساهم في تطبيع العنف الرمزي والعنصرية، ويمنحها شرعية ثقافية خطيرة.
إن خسارة مباراة، مهما كانت موجعة، لا تبرر هذا الانحدار. والاختلاف مع المحيط الإفريقي أو العربي، سياسيا أو رياضيا، لا يمكن أن يكون مبررا وقحا لإنكار التاريخ والجغرافيا والإنسانية المشتركة، المغرب ليس "جزيرة" بالمعنى الذي أراده الخطاب الشوفيني، بل هو فضاء تاريخي معقد، تشكل عبر تفاعلات متعددة مع إفريقيا، والأندلس، والشرق الاوسط، وأوروبا، والعروي حين قال ما قال، كان يدعو إلى التفكير في هذا التعقيد ببرودة العقل، لا إلى تبسيطه بعصبية الانفعال.
في النهاية، ليست المشكلة في عبارة العروي، بل في الطريقة التي نقرأ بها الأفكار لحظة الغضب. ما نحتاجه اليوم، أكثر من أي وقت مضى، ليس شعارات تعزي الجراح وتقدم له اقراص منومة، بل نحن في حاجة الى شجاعة فكرية تعترف بالهزيمة دون تحويلها إلى كراهية، وتفهم الأفكار في سياقها بدل تحويلها إلى أدوات للتشهير والتقسيم، فالهزائم الرياضية تُنسى، اما تشويه الفكر وتطبيع العنصرية، فاثارهما ابعد واخطر.
في فكر العروي، لا توجد أبدا دعوة إلى القطيعة مع العرب أو مع إفريقيا، ولا إلى الانكماش الهوياتي. على العكس مشروعه الفكري كله قائم على نقد الأوهام، سواء كانت أوهام الأصالة الخالصة أو أوهام الانتماء الرومانسي غير المفكر فيه. "الجزيرة" عنده ليست عزلة، بل موقعا يفرض نمطا خاصا من التفكير السياسي: التفكير الذي يبدأ من الداخل، من بناء الدولة والعقل والمؤسسات، قبل الانشغال المرضي بدور أخلاقي أو رمزي في قضايا لا نملك أدوات التأثير فيها.
غير أن ما حدث بعد الخسارة الرياضية لم يكن قراءة فكرية، بل كان تفريغا نفسيا جماعيا، استحضرت فيه عبارة العروي بطريقة فجة لاستعمالها كذخيرة حية في معركة وهمية ضد "الآخر"؛ الإفريقي، العربي، بل وضد كل من لا يشارك في نشوة الوطنية الجريحة. هنا خرج الخطاب عن أي نقاش عقلاني، وسمعنا أوصافا عنصرية خطيرة، وادعاءات وقحة عن "أصدقاء المغرب الحقيقيين" وصلت حد تمجيد دولة عنصرية مجرمة قائمة على القتل واشلاء الاطفال والنساء، فقط نكاية في محيط إفريقي وعربي جرى تحميله مسؤولية هزيمة كروية، وهناك صحافيون ومثقفون واساتذة من دفعته خفة الوطنية الشوفينية الى سب كل الافارقة واعتبارهم ابناء زنا، هكذا بالمطلق وبصيغة التجميع، وهناك من طالب بترحيلهم عن المغرب فورا؟؟!
الحقيقة ان هذا النوع من التأويل ليس جديدا في تاريخ الأفكار. بل إن ما جرى مع العروي يُذكرنا بشكل مقلق، بما جرى لفلسفة نيتشه حين اقتطعت مفاهيم مثل "ارادة القوة" و"الانسان الأعلى" من سياقها النقدي، وأُعيد توظيفها لتبرير الفاشية والعنصرية والتفوق العرقي، في حين أن نيتشه نفسه كان من أشرس نقاد القومية الضيقة والعقل الجماعي القطيعي. في الحالتين، نحن أمام عملية واحدة: اختزال فكر معقد في شعار بسيط، ثم شحن هذا الشعار بأهواء أيديولوجية لم تكن في الأصل جزءا منه.
العروي، مثل نيتشه، كان دائما ضحية هذا النوع من العنف التأويلي. وهو نفسه عبّر غير مرة عن انزعاجه من الطريقة التي تُبسط بها أفكاره أو تستعمل خارج سياقها. فكرُه ليس وصفة جاهزة، ولا خطابا تعبويا، بل تمرين شاق على العقلانية التاريخية، لذلك فإن تحويل "المغرب جزيرة" إلى دعوة للانغلاق، أو إلى مبرر لاحتقار إفريقيا والعرب، ليس فقط إساءة أخلاقية، بل هو خطأ معرفي فادح.
الأخطر في هذا كله أن هذا التأويل المغرض لم يقتصر على أصوات هامشية في مواقع التواصل، بل شارك فيه صحافيون ومثقفون، يفترض فيهم الحد الأدنى من المسؤولية المعرفية والأخلاقية. حين ينزلق المثقف إلى لغة الشارع الغاضب، وحين يستبدل التحليل بالتجييش، فإنه لا يخون الفكر فقط، بل يساهم في تطبيع العنف الرمزي والعنصرية، ويمنحها شرعية ثقافية خطيرة.
إن خسارة مباراة، مهما كانت موجعة، لا تبرر هذا الانحدار. والاختلاف مع المحيط الإفريقي أو العربي، سياسيا أو رياضيا، لا يمكن أن يكون مبررا وقحا لإنكار التاريخ والجغرافيا والإنسانية المشتركة، المغرب ليس "جزيرة" بالمعنى الذي أراده الخطاب الشوفيني، بل هو فضاء تاريخي معقد، تشكل عبر تفاعلات متعددة مع إفريقيا، والأندلس، والشرق الاوسط، وأوروبا، والعروي حين قال ما قال، كان يدعو إلى التفكير في هذا التعقيد ببرودة العقل، لا إلى تبسيطه بعصبية الانفعال.
في النهاية، ليست المشكلة في عبارة العروي، بل في الطريقة التي نقرأ بها الأفكار لحظة الغضب. ما نحتاجه اليوم، أكثر من أي وقت مضى، ليس شعارات تعزي الجراح وتقدم له اقراص منومة، بل نحن في حاجة الى شجاعة فكرية تعترف بالهزيمة دون تحويلها إلى كراهية، وتفهم الأفكار في سياقها بدل تحويلها إلى أدوات للتشهير والتقسيم، فالهزائم الرياضية تُنسى، اما تشويه الفكر وتطبيع العنصرية، فاثارهما ابعد واخطر.


تعليقات