زياد أحمد سلامة*: عرفنا الدكتور وليد سيف في بداية الأمر شاعرًا يجري نحو الصفوف الأولى بين الشعراء، وقد لفتت دواوينه الشعرية التي أصدرها الأ...
وامتدت المسيرة لنشاهد ستة عشر عملًا تلفزيونيًا، كان آخرها المسلسل العالمي "عمر" عام 2012، وقد طال انتظارنا للجزء الرابع من سلسلة الأندلس "سقوط غرناطة"، وكان سيف قد بدأ فعلًا بكتابة المسلسل، وأنجز كتابة ثلاث حلقات صمت سيف عن الدراما، كما صمت من قبل عن الشعر، واتجه إلى عالم الرواية، فأخرج رواية "ملتقى البحرين" عام 2019، وتدور أحداث الرواية في القرن السابع الهجري، وفيها نرى العالم الإسلامي وقد انقسم إلى عدد كبير من الدويلات والممالك أشبه بدول الطوائف في الأندلس. وملخص القصة أن حاكمًا ظالمًا مستبدًا كان يحكم تلك المملكة، فأدى استبداده واتصالاته بأعداء الملة إلى أن يوغر صدور الناس عليه، فقام قائد الجيش بالإطاحة به، لإحقاق الحق ونشر العدل بين الناس. وفور وصوله إلى الحُكْمَ، يقوم السلطان الجديد باستعادة المناطق التي فقدتها المملكة، ويأخذ بإعادة الأمور إلى ما كانت عليه، ويسترجع الثروات والمقدرات التي فقدتها الدولة، ويبدأ في إرساء قواعد العدل بين الناس. ولكنه أعاد سيرة السلطان المخلوع في تعامله مع الناس، من حيث الظلم والاستبداد.
في هذه الأثناء، اشترت زوجة السلطان الجديد جارية جميلة مثقفة من دار النخاسة، لتكرم زوجها، وتهديه إياها. وهكذا، وجدت الجارية قمر نفسها في قصر قائد الجيش الذي تسبب سابقًا في قتل أسرتها، وتشريدها، لتباع سبيَّة.
"جاء "ربيع قرطبة" ضمن خطة لتقديم أهم الأحداث التي شهدتها الأندلس من خلال أربع مسلسلات"
الجارية قمر كانت على علاقة غرامية بمعلم الشعر والأدب الذي تعلمت على يده، وكان ناقمًا على السلطان، ويُعِدُّ أتباعه للثورة، فقاد ثورة ضد السلطان الجديد، ونادى بما كان ينادي به السلطان (قائد الجيش)، قبل أن يصل إلى الحكم ويتنكر له. ولكن طول أمد الثورة جعل كثيرًا من أنصارها ينفضُّ عن صاحبها. ثم تمضي بنا أحداث الرواية ليجد كلٌ من السلطان والمعلم أنهما يقفان أمام جدار مسدود، فالسلطان الذي بدأ مشروعه وحلمه بدولة العدل والحقوق وإنصاف المظلوم، انتهى به الأمر مستبدًا ظالمًا. وأما المعلم فحلمه بدولة العدل والحقوق والإنصاف بدأ يذوي حتى قبل الوصول إلى الحكم، فقد كثرت الخلافات والانقسامات في صفوف أتباعه، حتى بات لسان حال المعلم يقول "هل مطلب العدل في هذه الدنيا بعيد المنال إلى هذا الحد، فلا يتحقق على تمامه إلا في الآخرة أمام الديان؟" (ص175).
حاولت قمر تقريب وجهات النظر بين الفريقين، بشكل غير مباشر، وبالتالي التقريب بين أحلام المعلم الثائر، وقائد الجيش الذي حلُم من قبل بدولة العدل والإنصاف. ستجد من أحداث الرواية أن البحرين هما السلطان والمعلم، كلاهما يسعى للعدل بطريقته، وقمر هي الملتقى بينهما.
أصدر سيف روايته "مواعيد قرطبة" مطلع هذا العام (2021)، وهي صياغة روائية لقصة الحاجب المنصور محمد بن أبي عامر. وسبق لسيف أن قدَّم هذه القصة في مسلسلين هما "الصعود إلى القمة"، الذي أذيع عام 1986، ومسلسل "ربيع قرطبة" (2003). وجاء "ربيع قرطبة" ضمن خطة لتقديم أهم الأحداث التي شهدتها الأندلس من خلال أربع مسلسلات، تناول الأول "صقر قريش" في رحلة عبد الرحمن الداخل من المشرق إلى الأندلس، وإعادة تأسيس الدولة الأموية فيها، بعد سقوطها في المشرق عام 132هـ. وتحدث في القسم الثاني عن الفترة الذهبية في حكم الأندلس، من خلال حُكْم المنصور ابن أبي عامر. وفي المسلسل الثالث، تحدث عن فترة انقسامات الدولة الأموية، وتحولها إلى فسيفساء من الدول المختلفة والمتصارعة والمتعاونة مع أعداء الأمة والملة. وكان في البال استكمال السلسلة بالحديث عن إخراج المسلمين من الأندلس، وسقوطها بيد القشتاليين، ولكن للأسف لم ير هذا الجزء النور بعد.
تأتي رواية "مواعيد قرطبة" ضمن مشروع في إعادة صياغة بعض المسلسلات صياغة روائية، وسيعمل وليد سيف على إعادة صياغة مسلسلي "صقر قريش"، و"التغريبة الفلسطينية"، روائيًا، كمرحلة أولى في هذا المشروع.
"من خلال الرواية، تتحرر من سلطة جهاز التلفزيون، والجلوس في وقت محدد، فتصبح الرواية بين يديك، وتحملها أنى شئت لتقرأها"
ستغطي هذه الصياغات الروائية للأعمال الدرامية حاجة القرَّاء والباحثين في أعمال سيف الدرامية لنصوص مكتوبة يستطيعون العودة إليها بسهولة لتوثيق ما ينوون اقتباسه أو الإشارة إليه، وستعطي هذه الصياغة الروائية القراء فرصة الاطلاع على هذه الأعمال مكتوبة بشكل روائي بعيد عن الكتابة المهنية لسيناريوهات تلك المسلسلات؛ بعيدًا عن كتابتها بطريقة لا تسمح للقارئ بمتابعة العمل الأدبي بشكل سلس من دون إشارات جانبية معهودة في المسلسلات، مثل ذكر وقت الحدث: ليلًا أو نهارًا، حجم اللقطة، وزاوية الصورة، وحركة الممثلين، وذكر بعض انفعالاتهم، وهكذا مما يُشغل القارئ عن السير وراء الأحداث، أو البناء الدرامي للعمل. فالرواية تزيل الحواجز والزيادات غير المطلوبة روائيًا بين المتلقي والعمل الروائي.
الفترة الذهبية
بالعودة إلى رواية "مواعيد قرطبة"، فقد اعتدنا أن نقرأ الرواية أولًا، ثم يتم بعد ذلك تحويلها إلى عمل درامي للسينما، أو التلفزيون، من خلال إعادة صياغتها على شكل سيناريو. وكثيرًا ما كنا نجد اختلافات كثيرة بين النص القصصي، أو الروائي، وبين السيناريو الذي عُمل عن هذا العمل، ولكننا في "مواعيد قرطبة" وجدنا تطابقا كبيرًا بين الرواية والمسلسل لدرجة قد تقترب من 95%. فإذا كان قد قُدِّر للمتلقي أن شاهد المسلسل أولًا، ثم قرأ الرواية بعد ذلك، فستتداعى الأحداث التي رآها وعايشها في المسلسل شاخصة أمامه بأشخاص الممثلين وحركاتهم وانفعالاتهم، وستكون مسيرة الأحداث واضحة أمامك، ولكن، وفي حالة "مواعيد قرطبة"، ستُتاح لك الفرصة ثانية أن تقرأ نصًا أدبيًا رفيع المستوى، وأن تعايش بلاغة النص وصوره وتناصاته وتشبيهاته وعالمه الأدبي المتميز، والكاتب هنا يحقق على الورق ما وعدنا به عندما شرع في الكتابة الدرامية: تقديم نص أدبي تلفزيوني عالي المستوى، وعند قراءة المسلسل على الورق ستُطلق لنفسك الخيال أيضًا في تصور الزمان والمكان والأشخاص، ولن تقيد نفسك بما كان في المسلسل.
في رواية "مواعيد قرطبة"، لمسنا، من خلال فقراتٍ وجملٍ سردية، ما كُنا نراه في المسلسل، حوارًا، أو مشاهد مصورة للأحداث، فهذا السرد المكتوب يختصر مشاهد قام بها الممثلون لمقتضيات العمل الفني الدرامي. وهنا، في الرواية، استمتعنا بالنص من خلال هذا السرد والوصف للأحداث.
من خلال الرواية، تتحرر من سلطة جهاز التلفزيون، والجلوس في وقت محدد، فتصبح الرواية بين يديك، وتحملها أنى شئت لتقرأها، فتكون نعم الرفيق في الإقامة والسفر.
تتحدث رواية "مواعيد قرطبة" عن الفترة الذهبية لوجود المسلمين في الأندلس، واختار سيف شخصية الحاجب المنصور محمد ابن أبي عامر لتمثل هذه الفترة، من حيث القوة العسكرية، والسيطرة السياسية، والنهضة العمرانية، وفترة العزة والتمكين. ويريد الكاتب، هنا، إيصال رسائل إلى المشاهدين والقراء. جاء المنصور من أواسط الناس مكانة اجتماعية، من الجزيرة الخضراء في جنوب البلاد، إلى قرطبة، وهو يحمل في ذهنه طموحًا أن يتبوأ مناصب رفيعة في الدولة يستطيع من خلالها إصلاح ما أفسده الدهر، من فساد وظلم وخروج على أحكام الشريعة الإسلامية، يريد دولة يسودها العدل والإنصاف، وأن لا يبغي أحدٌ على أحد. تمضي بنا أحداث المسلسل والرواية مع المنصور ليغدو الحاكم المطلق للأندلس. وكان المنصور قد عاش علاقة غرامية مع صبح البشكنسية، زوجة الخليفة الحاكم، ووالدة ولي عهده هشام المؤيد بالله، عاشرُ الحكام الأمويين للأندلس، وثالث خلفائهم في قرطبة؛ وقد استثمر المنصور علاقته هذه مع صبح، كما استغل كل مناصبه التي تولاها لتحقيق أهدافه، التي تحولت في ما بعد، وانقلبت رأسًا على عقب.
"إذا قُدِّر للمتلقي أن شاهد المسلسل أولًا، ثم قرأ الرواية بعد ذلك، فستتداعى الأحداث التي رآها وعايشها في المسلسل شاخصة أمامه بأشخاص الممثلين وحركاتهم وانفعالاتهم"
عاش المنصور بن أبي عامر موقفين متناقضين، فهو من جهة خدم دولته وعقيدته وشعبه، وتفانى في ذلك، تقرب من الفقهاء بمحاربة الفلسفة والخمور، وتقرب من العامة بمطاردة اللصوص والمتلاعبين بأقواتهم من التجار، وأعلن الجهاد، فكان لا يعود من غزوة إلا وأعلام النصر تخفق فوق رأسه، وكان كلما عاد من غزوة نفض غبار ملابسه وأودعه وعاء أوصى بأن يدفن معه ليكون وسيلته إلى الله؛ وكان يسأل الله أن يميته شهيدًا، وقد استجيبت دعوته. ومن ناحية أخرى، حكم بشكل استبدادي تسلطي فردي، ومارس القهر والظلم ضد كل من وقف في وجهه.
ينتهي مسلسل "ربيع قرطبة" بموت صبح، واستدعاء ابنها هشام المنصور ليشهد موتها، وفي الرواية: بعد أن ماتت صبح البشكنسية، وتم دفنها، وبعد أن خلا المكان من الناس؛ وقف المنصور بن أبي عامر حزينًا وحيدًا شاردَ الذهن، فاقتربت منه (بدور) خادمة صبح؛ وبيدها رقعة كتبتها صبح وهي في النزع الأخير، موجهة كلامها لمحمد بن أبي عامر جاء فيها: "حين تقرأ كتابي هذا، سأكون في قبري. وإنما أردتُ أن أختم سيرتي معك كما بدأتُها يا محمد. والله لقد أحببتُك كما لم تحب امرأة رجلًا. ولكن، لا ريبة ولا دنس. هل تذكر الحدَّ يا محمد؟ أمّا حدُّ الجوارح فلا أنا بالتي تعديتُه ولا أنت. وأما حدُّ القلب والروح فحيثُ يهيمان، إلى حيث تقدِّرُ الأقدار والأمصار، وحيث لا زمان ولا مكان ولا تواريخ ولا ليل ولا نهار. قد حفظتُها منك كما حفظتُ نفسي. وليست العفة إلاّ مغالبة النفس على هواها. فادفع عني مقالة القائلين وإفك الأفاكين. رحمني الله وغفر لي وغفر لك. سلام عليك" (ص 754).
يقول وليد سيف عن مسلسله "ربيع قرطبة": "احتار الناس في المنصور ابن أبي عامر في مسلسل "ربيع قرطبة"، واختلفوا فيه؛ هل يُغَلِّبون إنجازاته العظيمة على الصعيدين الشخصي والعام على الثمن الذي دفعه من روحه في طريق صعوده الملحمي من الفقر والخمول إلى سدة الحكم، من دون أن يكون له رصيد سابق من قوة العشيرة وإرث الآباء، إلا طموحه ومواهبه، وجملة من الغايات والمثل العظيمة؟! ولقد رأى أن الوصول إلى السلطان سبيله الوحيد إلى التغيير وتحقيق العدل والشورى والأمن والقوة، وتحرير الأمة من نير الصقالبة المتحكمين، والتمكين للعرب الذين استبعدوا من السلطة منذ [عبد الرحمن الداخل]، ولكن الوصول إلى سدة الحكم عبر التدرج في المناصب يحتاج إلى كثير من المكائد والخديعة والمكر، للإيقاع بكل من يمثل عائقًا في الطريق. وهكذا فعل، مسوغًا ذلك بالقاعدة القديمة التي حولها ميكيافيلي بعد ذلك بقرون إلى فلسفة في الحكم، وإن لم يخترعها: الغاية تسوغ الوسيلة مهما تبدو قبيحة منافية للأخلاق. ولكن السؤال هو: هل تسلم الغايات النبيلة من أثر وسائلها القبيحة؟ أم أن الوسائل المرذولة تشوه الغايات السامية نفسها، وربما ذهبت بها جميعًا؟".
من خلال شخصية المنصور، يسلط المسلسل الضوء كذلك على قيمة إنسانية هامة جدًا؛ ألا وهي أنه مهما كان الفرد من أواسط الناس وعامة الشعب، فإنه متى أصبحت في يده مقاليد الأمور يتحول على الفور إلى طاغية، وينسى ما كان يحلم بتحقيقه من أجل العامة الذين جاء منهم، "فالسلطان يغري صاحبه". كما أنه يعبر عن الإرادة الحقيقية التي تجسد الطموح وعلو الهمة اللتين يحتاج إليهما كثير من الشباب، وهذا ما رأيناه أيضًا من قبل مع "صقر قريش" الذي ما إن استقرت له الأمور حتى انقلب على مفاهيمه وأفكاره ومبادئه، وانقلب على كل من كان حوله وساعده في الوصول إلى غايته. ورأيناه أيضًا في "ملتقى البحرين" فقد خلع قائد الجيش السلطان الفاسد، وبدأ بتحقيق قيمه ومثله، ولكنه سرعان ما صار إلى ما كان عليه السلطان المخلوع من فساد وظلم واستبداد.
بعد مشوار أبي عامر وصعوده إلى القمة، تتقاطع حياته مع أناس كثيرين وشخصيات مؤثرة وغير مؤثرة، ورغم جهوده وخططه وتدبيره في هذا المشوار نراه يتحدث مع زوجته أسماء، بعد وفاة زوجته الأولى عائشة، ويقول لها:
ـ إنك لتكبرين في عيني يا أسماء.. كنت أعملُ لأبيها رحمه الله، ورضيتْ بي زوجًا وأنا لا أملك إلا غايتي وإرادتي، وأحلامًا لا تشتري للمرأة ثوبًا، ولو أني قصدت أباك في ذلك الحين خاطبًا لك، لجعلني مثلًا وعبرة.
على الرغم من جو الحزن، لاح على وجهها طيف ابتسامة، وقالت: لكل شيء موعد وباب.. ولا بد لأحدنا أن يلقى مواعيده.
قال مرددًا: نعم.. لا بد لأحدنا أن يلقى مواعيده! (ص 573).
هذه "مواعيد قرطبة": حظوظ وجهد وتعب وتخطيط، ولا بد لكل إنسان أن يلقى مواعيده.منه.
*الملحق الثقافي ل "العربي الجديد"

تعليقات