المؤرِّخ الصهيونيّ، د. يغال بن نون، الذي يقوم بإجراء دراساتٍ عن عمليات التهريب البحريّ وإبعاد اليهود عن المغرب 1958-1960 بعد قيام إسرائيل، ي...
المؤرِّخ الصهيونيّ، د. يغال بن نون، الذي يقوم بإجراء دراساتٍ عن عمليات التهريب البحريّ وإبعاد اليهود عن المغرب 1958-1960 بعد قيام إسرائيل، يؤكّد “هاجر اليهود من المغرب لأسبابٍ عديدةٍ، بعضها مبدئيٌّ وبعضها ظرفيٌّ. وكانت الحقيقة الأساسية هي أنّ المغرب صُوِّر كدولةٍ إسلاميةٍ، وأيّ محاولةٍ لتجاوز وجود جاليّةٍ يهوديّةٍ في مجتمعٍ مسلمٍ بعيدٍ عن العلمانيّة كانت محكومةً بالفشل”، على حدّ تعبيره.
وفي دراسةٍ أكاديميّةٍ غيرُ مسبوقةٍ، نشرها بن نون، من جامعة بار إيلان، كشف النقاب عن أنّ (الموساد)، في عملية (ياخين) أرسل في أوائل الستينيات من القرن الماضي خليةً كبيرةً بأمر من القائد أيسر هارئيل، لتنفيذ أعمالٍ إرهابيّةٍ ضدّ اليهود، واتهام السلطات المغربيّة بذلك، لكي تسمح للحركة الصهيونيّة باستجلابهم إلى فلسطين.وتابع المؤرّخ، الذي ركّز في بحثه على قيام الموساد بترك العملاء المحليين في المغرب ليقعوا في أيدي النظام الحاكم، أنّ “المغرب كان في تلك السنوات هدفًا مركزيًا للموساد، ودرج رئيس الجهاز على زيارته سرًا أربع مرّات في السنة، وقامت الخلية التي أرسلها الموساد بتجنيد شبابٍ يهودٍ للعمل في الجهاز، كما أنّ الجهاز قام بإحضارهم بشكلٍ سريٍّ إلى إسرائيل لإجراء تدريباتٍ عسكريّةٍ، شملت تدريباتٍ على تنفيذ عملياتٍ إرهابيّةٍ، كما أنّهم التقوا في إسرائيل مع رئيس الوزراء آنذاك، دافيد بن غوريون، ومع وزير الأمن موشيه دايان”.
وبحسب البحث، فإنّ “رئيس الموساد قال إنّه من أجل تنفيذ العملية، يتحتّم على الموساد تقديم (شهداءٍ يهود(، وبعد فترة قصيرة جدًا، قامت السلطات المغربيّة باعتقال شابين يهوديين مغربيين، من عملاء الموساد، وخلال التحقيق معهما توفيّا إثر التعذيب، كما أنّ شاباً ثالثاً قُتل في السجن نتيجة التعذيب.”
وتابع: “نجحت خطة الموساد، ذلك أنّ موت الثلاثة في السجن سبب صدمةً كبيرةً، الأمر الذي ساهم إلى حدٍ كبيرٍ في إقناع الملك المغربيّ في ذلك الحين بالإسراع بالتوقيع على اتفاقٍ مع إسرائيل بموجبه يتم السماح لليهود بالهجرة من المغرب إلى الكيان حديث العهد”.
وأكّد المؤرخ أنّ “عدد اليهود في ذلك الوقت كان حوالي 160 ألفًا، وكان السواد الأعظم منهم يتبوأ مناصب رفيعة في النظام الحاكم، ووصل أحدهم إلى منصب وزير لدى الملك المغربيّ، وعلى الرغم من ذلك، فقد قرر الموساد، بعد أنْ حصل على الضوء الأخضر، من المؤسسة السياسيّة، القيام بأعمال غير أخلاقيّة بهدف استجلاب اليهود من المغرب إلى إسرائيل.”
كما كشف المؤرخ في بحثه الأكاديميّ النقاب عن أنّ الموساد قام باستئجار سفينةٍ كبيرةٍ، وبواسطتها قام بتهريب اليهود من المغرب، ونجحت السفينة في مهمتها 13 مرّة، ولكن في المرّة الـ14 غرقت السفينة، الأمر الذي أدّى إلى وفاة طاقمها الإسبانيّ و44 يهوديًا مغربيًا كانوا على متنها”، واتهم الموساد بأنّه أهمل إهمالاً شديدًا، وقال: أنا لا أزعم أنّ السفينة تمّ إغراقها عن سبق الإصرار والترصّد، ولكن الإهمال كان متعمدًا، وتابع قائلاً: راجعت البروتوكولات التي سبقت عملية السفينة للمرّة الـ14، فتبينّ لي أنّ وزيرة الخارجية غولدا مائير، قالت في جلسة الحكومة إنّه يتحتّم على إسرائيل أنْ تقوم بعمليةٍ تؤدّي إلى صدمةٍ في المغرب، حتى ولو كلّف الأمر موت العديد من المواطنين اليهود العزّل، وبالتالي، أضاف المؤرخ، فإنّهم قاموا باستئجار سفينةٍ غيرُ صالحةٍ. إنّهم لم يُغرقوها، ولكنّهم كانوا على علمٍ بأنّها ستغرق في البحر”.
وفعلاً، أحدث غرق السفينة ضجةً عالميّةً وكتبت الصحف الغربيّة والعالميّة عن الحادث المأساويّ، مشدّدّة في تقاريرها على أنّ اليهود الذين أرادوا الهرب من البلد العربيّ الإسلاميّ ماتوا في عرض البحر، وهو الأمر الذي أدّى إلى تأليب الرأي العام العالميّ ضدّ المغرب، كما قال المؤرخ.
وتابع: “الموساد استغل الحادث المأساويّ لحثّ اليهود على مغادرة المغرب والهجرة إلى إسرائيل، وقام العملاء في المغرب بنشر بيانٍ باسم الجالية اليهوديّة في المملكة عبّرت فيه عن رفضها لهذه الأعمال، وتابعت أنّه بعد ألفيْ عام هناك فرصةً ذهبيّةً لعودة اليهود إلى أرض الآباء والأجداد، وتابع البيان: “إننّا نعرف أنّ الإسلام يعارض معاداة الساميّة، ولكن هناك أناس في المغرب، الذين قرروا قتل اليهود بأيّ ثمنٍ، ونحن من جهتنا نعي بأنّ مصير هؤلاء سيكون مثل مصير هتلر والنازيّ آيخمان” جاء في البيان المفبرك. وقام الموساد بتوزيع عشرات آلاف النسخ من البيان الاستفزازيّ لليهود وللمسلمين على حدٍ سواء، كما قام عملاء الموساد بتعليقه على حيطان المنازل والمحلات التجاريّة.
وقالت ميريت غحمون، أرملة قائد شعبة الموساد في المغرب في تلك الفترة، أليكس غحمون، إنّ “المخطط الذي أعدّه الموساد كان يقضي بأنْ يعرف اليهود في المغرب بأنّ الجهاز سيُخرجهم من المملكة شاءوا أم أبوا، وبموازاة ذلك إجراء مفاوضات مع وليّ العهد المغربيّ، لأنّ العرب لا يفهمون إلّا هذه اللغة: من ناحية تنفيذ عمليات إرهابيّةٍ، ومن الناحية الأخرى القيام بإجراء المفاوضات”.
وأضاف البحث أنّه بعد توزيع البيان، توقّع الموساد بأنْ تقوم الشرطة المغربيّة بردٍ قاسٍ ضدّ الذين قاموا بنشره، ومع ذلك أكّد أنّ الموساد تحايل على اليهود المغاربة، وقال لهم لا تتركوا بيوتكم، نحن نتحكّم بالوضع، الأمر سبب مقتل ثلاثة يهود مغاربة، ضُبطوا وهم يُعلقون البيان.
وعن هذا التصرف قال المؤرِّخ: “الموساد أراد من وراء ذلك أنْ يتّم اعتقال أكبر عددٍ من اليهود لكي يُحدث صدمةً في العالم من بطش النظام في المملكة، الأمر الذي يؤدّي إلى حملة تعاطفٍ دوليّةٍ مع اليهود”.
جديرٌ بالذكر أنّه “لطالما مثل المغرب أكبر جاليةً يهوديّةً في العالم الإسلاميّ. ولكن ابتداءً من وقت إقامة إسرائيل، حتى منتصف السبعينيات، هاجر حوالي 90 بالمائة من اليهود المغاربة إلى إسرائيل، كما شعر اليهود في المغرب بأنّ لديهم أمنًا سياسيًا وفرصةً اقتصاديّةً مواتيةً، ولم يرغبوا في الانتقال إلى فلسطين التي يسيطر عليها البريطانيون حيث كان المشهد السياسيّ والظروف الاقتصاديّة غير مستقرٍ.

تعليقات