من «أرض الميعاد» إلى «أرض أجداد» - سعيد يقطين*

سعيد يقطين: أثار الحديث مؤخرا حول تجنيس اليهود ذوي الأصول المغربية، نقاشا حادا داخل وسائط التواصل الاجتماعي. وحين نربط هذا الموضوع المطروح ...


سعيد يقطين: أثار الحديث مؤخرا حول تجنيس اليهود ذوي الأصول المغربية، نقاشا حادا داخل وسائط التواصل الاجتماعي. وحين نربط هذا الموضوع المطروح حاليا بـ»حائط مبكى» سور باب دكالة في مراكش، قبيل بضعة أسابيع، يتبدى لنا أن تلك الصلاة كانت مقصودة، وجزءا من مسلسل تخطيطات ترمي إلى إيقاع الفتنة داخل الأوساط المغربية. وبالاستناد إلى ما قيل عن كون اليهودية أقدم من الإسلام في المغرب، لا يبقى لأي متشكك في طبيعة العلاقة التي تجمع بين دعاة الأمازيغوية والصهيونية. 
لقد ظل هؤلاء يمهدون لما تخطط له الصهيونية منذ عدة سنوات، وهم يستغلون «الإثنية الأمازيغوية» للهجوم على تاريخ المغرب منذ الفتح الإسلامي، وعلى اللغة العربية والإسلام، سواء تعلق الأمر بالشريعة، أو الحديث النبوي بدعوى «الحداثة»، و»العقلانية»، وتجديد النظر في التاريخ باختراع سردية لا أساس لها. ولعل القول بأقدمية اليهودية نظير القول بالإمبراطورية المورية، وحضارتها التي لم تتوقف رغم مجيء الإسلام. فالعرب لا وجود لهم في المغرب، والتراث الأندلسي أمازيغي، ولا علاقة للمغرب مع المشرق. وما قرآن بورغواطة سوى دليل على القطيعة مع كل ما هي مشرقي، وعبارة «كلهم إسرائيليون وبورغواطيون»، دالة على أن أصحاب الدعوى لا علاقة لهم بالفكر ولا بالثقافة ولا بالأمازيغية. إنهم موظفون لإسرائيل يروجون لها باسم الهوية المتفردة وتاريخ ما قبل الإسلام.
ما الذي يجعل هؤلاء اليهود ذوي الأصول المغربية يفكرون اليوم في «الجنسية المغربية»؟ لقد هاجروا طوعا إلى «أرض الميعاد»، وقلبها «حارة المغاربة»، فلماذا يرومون كرها الرجوع، اليوم، إلى «أرض المغرب»؟ لقد مرّ على هجرة الأجداد حوالي سبعين سنة، فهل استوعبوا أن الحلم الأسطوري كابوس؟ أم ضاقوا ذرعا بالأمن المستحيل، لما شرع يهود العالم يغادرون إسرائيل من دون عودة؟ أم تبين لهم أن كل الأصاديق حول «معاداة السامية» في الغرب، وحتى في أمريكا بدأت تنهار؟ وأن أسطورة الجيش الذي لا يقهر تبخرت مع طوفان الأقصى، الذي لم تحقق فيه الصهيونية سوى الدمار لا النصر؟ أم تبين لهم أن الصهيونية بدأت تتعرى أمام العالم بعدما انكشفت جرائمها ضد الإنسانية، وأنها مصدر عدم الاستقرار ليس فقط في الشرق الأوسط، بل في العالم كله، وأنها قطب الشر في المنطقة؟ أم أن الحنين إلى أرض «الأجداد» داهمهم وصارت الملاذ الأخير بعد سقوط كل الأباطيل؟ فلماذا لم يتكون هذا الحنين في كل التاريخ الدموي لإسرائيل؟ يبدو لبعضهم، اليوم، أن المغرب أرض التسامح والتعايش، فمتى لم يكن كذلك منذ الفتح العربي الإسلامي؟ وما هي معاناة اليهود في كل تاريخ الوطن العربي الإسلامي؟ ألم يكونوا جزءا من نسيج كل المجتمعات التي عاشوا فيها؟ كان اليهودي المغربي يلبس ما يلبس المغاربة، ويتكلم الدارجة واللهجات الأمازيغية. وكما عاش في المدن والقرى تعايش مع سكان المداشر والدواوير. امتهن كل الحرف والمهن العادية والسامية من العطارة إلى السحر، ومن التجارة والطب إلى الدبلوماسية.. مارس حياته وعباداته في الملاح، والمعابد اليهودية، وتقلد مناصب عليا في مختلف الدول التي عرفها المغرب.
وكما كان منهم الوطنيون والأصفياء كان الخونة والأشرار، تعرضوا في الأندلس إلى ما تعرض له العرب المسلمون. وتعرضوا في الغرب الحديث ما لم يتعرضوا له في كل تاريخهم الذي تعايشوا فيه مع العرب والمسلمين، فكتبوا بالعربية، وساهموا في الثقافة العربية، وحافظوا على لغتهم ودينهم. وحتى تراثهم الشعبي جزء من التراث المغربي، فكانوا يغنون الملحون والعيطة والطرب الغرناطي والأندلسي وحتى العصري.
غادروا طوعا إلى إسرائيل تحت تأثير حملات التهجير الصهيونية. من هاجر منهم وهو في العاشرة من عمره يحمل معه جزءا من ذاكرة مغربية. لكن أولاده وأحفاده الذين تربوا تربية صهيونية تتأسس على الكراهية والغل والحقد والتدمير لكل ما هو عربي وإسلامي لا علاقة لهم بتاتا بالمغرب ولا بتاريخه، ولا بشعبه، ولا بتسامحه وتعايشه مع غيره. إنهم تربوا على الكراهية والحقد ليس ضد الغرب الذي ليكفر عن ذنوبه تجاههم مكّنهم من فلسطين. إنهم من احتل البيوت بعد فرض الهجرة قهرا على أصحابها. إنهم المستوطنون الذين يدنسون المسجد الأقصى. إنهم من يسرق أثاث بيوت الفلسطينيين، ويخربون بيوتهم، ويأخذون أغنامهم، ويقتلعون زيتونهم، ويدمرون المساجد والكنائس، ويفتخرون بأعمالهم. إنهم المتطوعون في الجيش الأكثر أخلاقية في قتل الأطفال والشيوخ، وبقر بطون الحوامل، واغتصاب القاصرات، وإعدام الأسرى. إنهم من يصوتون في الانتخابات على اليمين العنصري والمتطرف. إنهم من يرون إدامة الحرب والإبادة الجماعية للعرب وللمسلمين في كل مكان. إنهم يشاركون دولتهم في خلق الفتنة بين شعوب الوطن العربي. إنهم «شعب الله المختار» الذي أمرهم بالقضاء على المختلف عنهم.
من تربى على الحقد والكراهية أنى له العيش مع من آمن بالتسامح والتعايش؟ وأنى له التفكير في التجنيس وهو ملوث بالتدنيس لكل ما هو مقدس، وإنساني؟ المغرب الذي غودر في الستينيات لا علاقة له بما صار عليه اليوم. متخيل الأجيال المغربية الجديدة (يامين يامال نموذجا واضحا) حول الصهيوني لا علاقة له باليهودي الذي عايشه آباؤنا وتعاشروا معه. إن الصورة التي عشناها مع تاريخ الصهيونية، لم نر فيها سوى احتلال الأراضي، والتوسع، والتقتيل والتدمير واحتقار الآخر. لم نر فيها سوى ادعاء الدفاع عن النفس، وتاريخ الاغتيالات والاستخبارات، وسرقة تراث الآخرين. في كل هذا التاريخ ظل الغرب ووسائل إعلامه يروج لكل الأكاذيب الصهيونية، وتتهم كل من يتصدى لها بـ»معاداة السامية»، لكن تلك الصورة بدأت تتزعزع وتتصدع حتى في الغرب نفسه، وفي أمريكا أيضا. وصرنا نسمع من الغربيين، وحتى من اليهود، من يتحدث عن جرائم الصهيونية ضد الإنسانية، وبات العالم يعي أن الصهيونية خطر ليس على الفلسطينيين، أو على الشرق الأوسط فقط. إنها وبال على الإنسانية جمعاء.
من تهْوُدِيتْ المغربية إلى تصهْيونيتْ الإسرائيلية، نجد مسافة زمانية ومكانية تقطع بين تصورين متضادين للإنسان والعالم بشكل قاطع ونهائي. وهي تكشف بجلاء أن من آمن بالتعايش والتسامح باعتبارهما محور هويته الثقافية التاريخية لا علاقة له بمن تربى على الهوية العنصرية والعصبية، وادعاء الصفاء العرقي، وإن كان يدعي المظلومية أو أي حق له في ما قبل التاريخ ضد تاريخ الدولة المغربية الذي بناه المغاربة قاطبة بدمائهم دفاعا عن خصوصيته ووحدته ضد كل أشكال التعصب والتجزئة أيا كانت شعاراتها وأباطيلها.

تعليقات

الاسم

اتصالات,1,أجناس صحفية,28,اخبار العالم,2392,اخبار العرب,1838,اخبار المغرب,7143,أرشيف,12,اسبانيا,302,أستراليا,3,أسطول الصمود,14,اسكوبار الصحراء,12,إضاءة,1,إطاليا,8,إعلام,313,اعلام,4,إعلام فرنسي,5,إفريقيا,78,اقتصاد,1182,أقلام,15,الإتحاد الأوروبي,44,الأحوال الجوية,85,الأخيرة,1,الأرجنتين,1,الأردن,3,الإمارات,17,الأمم المتحدة,40,البرازيل,12,البرتغال,2,الجزائر,357,الخليج العربي,34,السعودية,29,السودان,2,السينغال,12,الصحة,161,الصحراء,9,الصين,55,ألعراق,1,العراق,7,الفضاء,4,القدس,4,ألمانيا,33,المراة,139,المكسيك,3,الملف,25,النمسا,1,ألهند,1,الهند,3,الولايات المتحدة الأمريكية,261,اليمن,54,أمريكا اللاتينية,1,أوكرانيا,1,إيران,229,ايطاليا,4,باكستان,4,برشلونة,1,برلمان,4,بروفايل,1,بريطانيا,6,بريكس,3,بلجيكا,7,بيئة,28,تاريخ,8,تحقيق,1,تحليل,3,تدوين,788,ترامب,116,ترجمة,1,تركيا,34,تغريدات,31,تغريدة,6,تقارير,1476,تقرير صحفي,76,تونس,109,ثقافة,2,جنوب إفريقيا,6,جنين,5,جورج عبد الله,2,حدث,1,حرية,460,حزب الله,31,حفريات,3,حماس,15,حوارات,84,ذكرى,2,روسيا,125,رياضة,475,زاوية نظر,41,زلزال الحوز,78,سبتة,1,سوريا,40,سوسيال ميديا,80,سوشال ميديا,16,سياحة,16,سينما,42,شؤون ثقافية,495,صحافة,88,صحة,579,صوت,1,صوت و صورة,920,طاقة,82,طقس,1,طولكرم,1,عالم السيارات,4,عداد البنزين,5,عزة,4,علوم و تكنولوجيا,336,عناوين الصحف,322,غرينلاند,4,غزة,334,فتح,2,فرنسا,243,فلاحة,19,فلسطين,9,فلسطين المحتلة,952,فنزويلا,27,فنون,256,قطر,7,كاريكاتير,9,كأس إفريقيا,65,كأس العالم,112,كتاب الراي,2013,كوبا,2,كوريا الجنوبية,3,كوريا الشمالية,1,كولومبيا,3,لبنان,48,ليبيا,36,ماسك,1,مجتمع,1561,مجنمع,14,مختارات,129,مدونات,5,مسرح,10,مشاهير,1,مصر,16,مغاربي,1100,ملف سامير,8,ملفات,48,منوعات,410,موريتانيا,18,مونديال,1,نقارير,4,نقرة على الفايس بوك,1,نيكاراغوا,1,هولاندا,3,
rtl
item
الغربال أنفو | موقع إخباري: من «أرض الميعاد» إلى «أرض أجداد» - سعيد يقطين*
من «أرض الميعاد» إلى «أرض أجداد» - سعيد يقطين*
https://blogger.googleusercontent.com/img/b/R29vZ2xl/AVvXsEgEOq5In5TkHnCZhZtIrzi9JgHj0gjH8jjFfzCOYnGRUX8NZuy7OopDh7a2nsqQRjyVDvo5GErobFwvRSrMjM1P7TREG4Ce0GSQdkXonARy8Kt6rxHRTx9cJ-eJly91BwFSPyrDu-3Za-1BQtplGq1exAlz-cdIzrBQnNdzeHG-fBZkOxiwHrf-yfCUnJI/w640-h356/%D8%A7%D9%84%D9%8A%D9%87%D9%88%D8%AF_%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%BA%D8%A7%D8%B1%D8%A8%D8%A9_yi3C1a4.jpg
https://blogger.googleusercontent.com/img/b/R29vZ2xl/AVvXsEgEOq5In5TkHnCZhZtIrzi9JgHj0gjH8jjFfzCOYnGRUX8NZuy7OopDh7a2nsqQRjyVDvo5GErobFwvRSrMjM1P7TREG4Ce0GSQdkXonARy8Kt6rxHRTx9cJ-eJly91BwFSPyrDu-3Za-1BQtplGq1exAlz-cdIzrBQnNdzeHG-fBZkOxiwHrf-yfCUnJI/s72-w640-c-h356/%D8%A7%D9%84%D9%8A%D9%87%D9%88%D8%AF_%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%BA%D8%A7%D8%B1%D8%A8%D8%A9_yi3C1a4.jpg
الغربال أنفو | موقع إخباري
https://www.alghirbal.info/2026/05/blog-post_20.html
https://www.alghirbal.info/
https://www.alghirbal.info/
https://www.alghirbal.info/2026/05/blog-post_20.html
true
9159330962207536131
UTF-8
تم تحميل جميع المشاركات لم يتم العثور على أي مشاركات المزيد التفاصيل رد إلغاء الرد حذف بواسطة الرئيسية تتمة الموضوع مشاركات عرض الكل مواضيع قد تهمك وسم أرشيف بحث جميع المشاركات لم يتم العثور على أي مشاركة مطابقة لطلبك العودة للرئيسية الأحد الإثنين الثلائاء الأربعاء الخميس الجمعة السبت أحد إثنين ثلثاء أربعاء خميس جمعة سبت يناير فبراير مارس أبريل ماي يونيو يوليوز غشت شتنبر أكتوبر نوفمبر دسمبر يناير فبراير مارس ابريل ماي يونيو يوليوز غشت شتنبر اكتوبر نوفمبر دسمبر الآن منذ دقيقة واحدة $$1$$ minutes ago 1 hour ago $$1$$ hours ago Yesterday $$1$$ days ago $$1$$ weeks ago more than 5 weeks ago المشتركون اشترك هذا المحتوى المميز مقفل الخطوة 1: المشاركة على شبكة التواصل الاجتماعي الخطوة 2: انقر على الرابط الموجود على شبكتك الاجتماعية Copy All Code Select All Code All codes were copied to your clipboard Can not copy the codes / texts, please press [CTRL]+[C] (or CMD+C with Mac) to copy Table of Content