أم حكيم زياش لم تكن مجرد أم عادية، بل كانت مدرسة كاملة لصناعة الإنسان فريد أيت لحسن حين تذكر أسطورة كرة القدم حكيم زياش، لا تتراءى للمتابع ...
![]() |
| أم حكيم زياش لم تكن مجرد أم عادية، بل كانت مدرسة كاملة لصناعة الإنسان |
حين تذكر أسطورة كرة القدم حكيم زياش، لا تتراءى للمتابع مجرد أهداف أو مهارات، بل صورة رجل تشكل في حضن أم ريفية، امرأة صلبة حملت قلب الريف وروحه، غرست فيه قيم الكرامة والوفاء، وجعلته يقف شامخا في عالم يفرض على الجميع المساومة والتنازل. قصة زياش ليست مجرد رحلة لاعب صاعد، بل هي قصة الإنسان الذي تصنعه التربية قبل أن تصنعه الكرة، القيم قبل الشهرة، والوفاء للجذور قبل كل مجد عابر.
فريد أيت لحسن
أم حكيم زياش لم تكن مجرد أم عادية، بل كانت مدرسة كاملة لصناعة الإنسان. في قريتها الريفية تافوغالت كانت البداية، حيث كانت الحياة صعبة والفرص محدودة، تعلمت كيف تصمد، وكيف تحافظ على كرامتها وسط صعاب لا تنتهي، وكيف تنقل هذه القوة لابنها الصغير. منذ سنه المبكرة، كانت تحكي له قصص الريف: عن نساء ورجال رفضوا الانحناء أمام الظلم، عن جماعات صغيرة تتكافل في الشدائد، عن روح تضامن لا تشترى ولا تباع . كل قصة كانت درسا ، وكل موقف كان تجربة حية يختبر فيها الطفل معنى الصمود والانتماء. هذا المناخ المليء بالقيم والمعاني شكل أساس شخصيته، وجعل حكيم يفرق منذ صغره بين ما يقدر وما يساوم عليه، بين الاختيار عن اقتناع وما يفرض بالتبعية.
في الريف الزناسي العميق، كان الطفل حكيم يتذكر يتردد مع كل صيف على البلدة الصغيرة حيث رائحة الأرض بعد المطر، صوت الطيور في الصباح الباكر، ودفء المطبخ حيث كانت أمه تعد له وجبات بسيطة لكنها محملة بالحب والاهتمام. كان يجلس إلى جانبها يستمع إلى قصص الأجداد عن الصمود في مواجهة الجوع والفقر الذي ينخر المجال والإنسان، وعن القرى التي لم تنكسر
رغم كل الصعاب. كل قصة كانت درسا عمليا، تعلمه كيف يكون قويا في المواقف الصعبة، وكيف يقف بجانب الآخرين دون انتظار مقابل. أمه كانت دائما تقول له: “القوة الحقيقية يا بني ليست في الرجل التي تضرب الكرة، بل في القلب الذي يعرف قيمته ويعرف حقوق الآخرين”.
عندما بدأ حكيم زياش ممارسة لعبة الفقراء ، لم يكن مجرد لاعب صغير يتعلم الكرة، بل شاب يحمل في قلبه وأفكاره كل ما زرعته فيه أمه من قيم ومبادئ. في الأحياء التي نشأ فيها، واجه تجربة مزدوجة: فضاء يفتح له الفرص ويتيح له الانطلاق، وفي الوقت نفسه مجتمعا قاسيا يختبر هويته وانتماءه. بين زحام الثقافات المختلفة والتفاعل اليومي مع أبناء المهاجرين والسكان المحليين عند أطراف المدينة الهولندية هيزنفاين ،تعلم أن الاختلاف ليس ضعفا بل مصدر قوة، وأن على من يطمح للنجاح أن يكون صادقا مع ذاته قبل أن يسعى لإثبات شيء للآخرين. هذه البيئة أضافت بعدا جديدا لتربيته الريفية، علمته كيف يحافظ على جذوره وهو يتعلم كيف يندمج دون أن يفقد كيانه، وكيف يوازن بين الطموح الشخصي والانتماء الجماعي. لم تكن الكرة مجرد لعبة، بل مختبرًا لتطوير الصبر والانضباط، وتحويل كل صعوبة إلى دافع للنمو، مع التمسك بالهوية والكرامة التي غرستها أمه منذ البداية.
كانت هناك لحظات مليئة بالتحديات اليومية: لاعب يحاول استفزازه في الملعب، ضغوط مدرسية، توقعات المجتمع الهولندي، وحتى لحظات الشك التي تراوده عندما لم تتحقق النتائج كما يريد. لكنه كان يتذكر دائما كلمات أمه، وصبرها، وعزمها على غرس الكرامة والوفاء، فيقف ويعيد ترتيب نفسه، ويتعلم أن مواجهة المصاعب تحتاج إلى أكثر من قوة جسدية، بل تحتاج إلى قوة داخلية لا تقهر .
ومع مرور الوقت، بدأت موهبته تبرز في الملاعب الهولندية، لكن ما ميزه عن الآخرين لم يكن فقط القدرة على التحكم بالكرة أو صناعة الفرص، بل شخصية واضحة، قوة داخلية نابعة من جذوره. في عالم كرة القدم الهولندية، حيث المنافسة شديدة والنجومية مرتبطة بالتفوق المستمر، لم يكن الطريق سهلا . كانت التحديات اليومية تختبر صبره، وتطلب منه التكيف بسرعة مع الضغوط والتوقعات، ومع ذلك، كانت التربية الريفية حاضرة في كل تمريرة وقرار. لم يكن يسعى للشهرة بأي ثمن، بل لإثبات ذاته بالعمل الجاد والانضباط واحترام الآخرين. التوازن بين الطموح والوفاء لجذوره جعله يبرز ليس كلاعب موهوب فحسب، بل كلاعب مستقل قادر على مواجهة الإغراءات، ورفض أي مساومة على مبادئه مهما كانت الظروف.
ورغم نجاحاته الرياضية، ظل حكيم زياش حاضرا انسانيا واجتماعيا . لم ينس ابدا جذوره الريفية والمجتمع الذي نشأ فيه. حرص على أن تكون نجاحاته مصدر إلهام للشباب الريفي بهولندا، وسيلة لدعم المبادرات التي تعزز التضامن والمساواة، لا سيما في الأحياء الشعبية والريفية التي تشبه أسرته. لم يكن نجما منعزلا يبحث عن الشهرة أو المكاسب الفردية، بل جسرا يربط بين مستواه العالمي وتحديات الناس العاديين، مؤكدا أن النجاح يجب أن يقترن بالمسؤولية. هذه المسؤولية الاجتماعية لم تأت من الخبرة الرياضية وحدها، بل من قيم الصدق، الكرامة، والتضامن التي غرستها فيه أمه منذ الصغر، وعدم المساومة على المبادئ مهما كانت الظروف.
حتى مع الانتقال إلى أندية كبيرة والظهور على شاشات الإعلام، لم يتخل زياش عن مبادئه. كان يعرف أن حياة اللاعب مليئة بالإغراءات: عقود ضخمة، عروض تسويقية، ضغوط جماهيرية وإعلامية لتقديم صورة مثالية. الكثيرون يساومون على المبادئ لتحقيق المكاسب، لكن زياش ظل وفيا لخطوط أمه، التي غرست فيه بوصلة داخلية واضحة: هناك أشياء لا تباع، وهناك مواقف لا تخضع للضغوط مهما كان الثمن. هذه المواقف، المتكررة يوميا، جعلته يحافظ على استقلاليته الفكرية، ويكسب احترام زملائه ومدربيه، ويثبت أن اللاعب يمكن أن يكون إنسانا قبل أن يكون رياضيا.
ومع كل نجاحاته، لم يكن مثاليا. مر بصراعات داخلية وأخطاء، لحظات شك وتوتر وإحباط حين لم تسر الأمور كما خطط لها، سواء في الملعب أو حياته الشخصية. لكنه تعلم، بأسس غرستها أمه، أن الأخطاء فرصة للتعلم، وأن الصمود الحقيقي يقاس بالقدرة على النهوض بعد كل سقوط. هذه الانتصارات الداخلية، الصغيرة أحيانا، صقلت إحساسه بالمسؤولية، وجعلته يواجه الضغوط والإغراءات بثبات، مع الحفاظ على التوازن بين الطموح والوفاء للقيم.
عندما وصل إلى المستوى الدولي، واجه تحديات أكبر: الإعلام، توقعات الجماهير، الضغوط النفسية والعقود التجارية. كثيرون ينسون جذورهم أو يساومون على المبادئ مقابل المكاسب، لكن زياش ظل وفيا لقيم أمه. تعلم أن الشهرة سلاح ذو حدين، يمكن أن تمحو الشخصية أو تعززها، وأن التعامل معها يحتاج وعيا كاملا ، وهو الوعي الذي نشأ في قلبه منذ الريف. هذه القدرة على الصمود أمام الضغوط الإعلامية والمهنية جعلته صوتا يمثل جيلًا جديدا يمكن أن يكون ناجحا دون أن يبيع نفسه أو ينسى أصله، صوتا يقول إن كرة القدم أكثر من مجرد رياضة، إنها ساحة لاختبار الإنسان قبل اللاعب.
في النهاية، يظل حكيم زياش أكثر من لاعب ناجح، فهو نتيجة صبر الأم وإصرارها على غرس القيم، وجذور الريف التي شكلت أساس شخصيته. كل مباراة، تمريرة، وقرار يعكس أثر تلك التربية، ويظهر كيف يمكن للقيم والمبادئ أن تقود الإنسان رغم صعوبات الحياة والمغريات. الأم لم تمنحه مهارات الكرة وحدها، بل حياة ميثاق داخلي للحفاظ على إنسانيته، على جذوره، وعلى احترامه للآخرين. هذا ما يجعل زياش أيقونة فريدة، ليس فقط لما يقدمه في الملعب، بل لما يمثله من قيم التضامن، الصمود، والكرامة، قيم زرعتها الأم منذ البداية وما يزال يحملها في كل خطوة من مسيرته.
في النهاية، لا يمكن اختزال قصة حكيم زياش في مسيرة لاعب ناجح فقط، بل هي امتداد لفكرة أعمق: أن كرة القدم، في جوهرها الحقيقي، ليست مجرد لعبة، بل مدرسة للقيم، ومساحة تربى فيها أجيال على الصبر والتضامن والكرامة. إنها لعبة الفقراء قبل أن تصبح صناعة للأثرياء، لغة بسيطة يفهمها الجميع، لكنها تحمل في داخلها دروسا عظيمة عن الحياة والانتماء.
وحكيم زياش، بما حمله من تربية أمه وجذوره الريفية، أثبت بجدارة انتماءه إلى هذه المدرسة، مدرسة لا تقيس النجاح بالأموال ولا بالأضواء، بل بمدى قدرة الإنسان على البقاء وفيا لنفسه. في كل خطوة من مسيرته، كان هناك خيط واضح يربطه بهذه القيم، يذكرنا بأن اللاعب يمكن أن يكون أكثر من مجرد نجم، يمكن أن يكون موقفا ورسالة.
وليس زياش وحده من جسد هذا المعنى، فقد عرفت كرة القدم عبر تاريخها أسماءً كبيرة لم تكتفِ بالإبداع داخل الملعب، بل حملت مواقف وقيمًا إنسانية عميقة، وعلى رأسهم Sócrates، ذلك اللاعب البرازيلي الذي لم يكن مجرد قائد في الميدان، بل كان صوتًا للحرية والكرامة خارج الخطوط، نموذجًا للاعب المثقف الذي يرى في كرة القدم أداة للتعبير والنضال، لا مجرد وسيلة للنجاح الفردي.
هكذا تلتقي الحكايات، من ملاعب الشتات الريفي إلى ملاعب البرازيل، في معنى واحد: أن كرة القدم الحقيقية لا تُلعب فقط بالأقدام، بل تُعاش بالقيم. وأن من تربى في هذه المدرسة، مثل حكيم زياش، لا يمكن أن يكون إلا وفيا لها، مهما تغيرت الظروف، ومهما اشتدت إغراءات العالم.
وفي هذا السياق، لا يمكن تجاهل أن ما يتعرض له حكيم من حملات تشويه وهجوم متكرر من بعض الجهات، ليس مجرد استهداف للاعب بعينه، بل يعكس حملة قذرة أعمق بكثير. إن الهجوم على زياش، بما يمثله من قيم ومواقف، هو في جوهره هجوم على نموذج اللاعب الذي يرفض أن يكون أداة صامتة، ويرفض الانخراط في منطق المساومة والانصياع.
هذه الحملات، التي تقودها كارتيلات التصهين من اجل اغتياله رمزيا ، تكشف عن صراع حقيقي بين رؤيتين لكرة القدم: رؤية تعتبرها مجرد صناعة ومجالا للمصالح، وأخرى تراها، كما كانت دائما، مدرسة للقيم وفضاء للتعبير الإنساني الحر. ومن هنا، فإن استهداف زياش لا ينفصل عن استهداف هذا الإرث الرمزي، إرث كرة القدم كلعبة الفقراء، كلغة للكرامة، وكمنبر لمن يملكون الجرأة على قول “لا” حين يطلب منهم الصمت.
إن الحملة القذرة عليه، مهما اختلفت أشكالها، تظل محاولة للنيل من هذا المعنى النبيل، ومن الرسالة التي حملها لاعبون كبار عبر التاريخ، وعلى رأسهم الأيقونة سقراطيس، الذي جسد فكرة أن كرة القدم يمكن أن تكون موقفا أخلاقيا قبل أن تكون مجرد لعبة. لذلك، فإن الدفاع عن زياش لا يتعلق بشخصه فقط، بل بالدفاع عن فكرة أوسع: أن كرة القدم ستبقى، رغم كل شيء، مساحة للكرامة، وأن من يحمل قيمها الحقيقية لن يسقط، مهما اشتدت الحملات ومهما ارتفع الضجيج.


تعليقات