قُتل نيميسيو أوسيغيرا سيرفانتس الملقب بـ«إل مينتشو» في عملية عسكرية نفذتها القوات الخاصة المكسيكية بالتنسيق مع واشنطن، ما فجّر موجة عنف واسع...
قُتل نيميسيو أوسيغيرا سيرفانتس الملقب بـ«إل مينتشو» في عملية عسكرية نفذتها القوات الخاصة المكسيكية بالتنسيق مع واشنطن، ما فجّر موجة عنف واسعة وحرائق واشتباكات في عشرات المدن. ويأتي ذلك وسط تصاعد الضغوط الأميركية على مكسيكو سيتي لتشديد الحرب على الكارتيلات.
لندن - سعيد محمد: تشهد المكسيك ارتدادات زلزال أمني واقتصادي عميق الأثر، عقب تنفيذ القوات الخاصة المكسيكية عملية عسكرية ضدّ نيميسيو أوسيغيرا سيرفانتس، الملقَّب بـ«إل مينتشو»، مؤسّس وزعيم كارتل المخدرات «خاليسكو الجيل الجديد». وإذ أدّت هذه الضربة المباغتة إلى مقتل الزعيم المطلوب دولياً، فهي أطلقت موجة انتقامية دموية من جانب أتباعه، شلّت الحركة في مدن رئيسة ووجهات سياحية عالمية. واستندت العملية، المنفَّذة بالتنسيق الوثيق مع المخابرات الأميركية، إلى استراتيجية تتبُّع دقيقة استهدفت الدائرة الضيّقة المحيطة بالزعيم، حيث راقبت الأجهزة الأمنية تحرّكات إحدى عشيقات «إل مينتشو» برفقة شخص مقرّب منها، وصولاً إلى مجمع كبائن خشبي في منطقة جبلية تابعة لبلدة تابالبا في ولاية خاليسكو، حيث باغتت قوات خاصة المكان (فجر الأحد)، مسنودة بغطاء جوي كثيف من ستّ مروحيات وطائرات مسيّرة. وفي حين واجهت القوات المهاجمة مقاومة شرسة من حرس الزعيم الشخصي الذين استخدموا عناصر أسلحة ثقيلة شملت قاذفات صواريخ محمولة على الكتف، أسفر التبادل الكثيف لإطلاق النار عن إصابة مروحية عسكرية وإجبارها على الهبوط الاضطراري، وتعرّض «إل مينتشو» واثنين من حراسه لإصابات بالغة الخطورة، فارقوا الحياة على إثرها في أثناء محاولة إجلائهم جواً، وفق ما أعلنته السلطات.وعلى الرغم من أن القيادة العسكرية قرّرت لاحقاً تحويل مسار الطائرة الحاملة للجثامين إلى العاصمة مكسيكو سيتي، درءاً لأيّ ردود أفعال غاضبة في معقل الكارتل في مدينة غوادالاخارا، فقد أشعل مقتل «إل مينتشو» موجة غضب عارمة في صفوف مجنّدي الكارتل، لتندلع - والحال هذه - أعمال شغب وحرائق منسَّقة عبر عشرين ولاية مكسيكية. ووثّقت الأجهزة الرسمية مقتل اثنين وستين شخصاً حتى الآن، بينهم خمسة وعشرون عنصراً من الشرطة العسكرية التابعة للحرس الوطني، وأربعة وثلاثون من أفراد الكارتل، فضلاً عن سقوط مدنيين أبرياء علقوا وسط زخات الرصاص المتبادلة. وطالت التداعيات الكارثية أيضاً قطاع السياحة الحيوي؛ إذ احتجزت النيران وسحب الدخان آلاف السياح داخل فنادق مدينة بويرتو فالارتا. كما أوقفت شركات طيران، من مثل «ألاسكا» و«ديلتا» و«يونايتد»، رحلاتها الجوية بالكامل، واضطرّت سفن سياحية ضخمة لتغيير مسارات إبحارها هرباً من الفوضى، بينما أمضى أكثر من ألف زائر ليلتهم محتجزين داخل حافلات في حديقة حيوان غوادالاخارا، تحت حراسة أمنية مشدّدة. كذلك، أضرم عناصر العصابة النيران في العشرات من فروع بنك «بينستار» الحكومي ومتاجر التجزئة الكبرى، محاولين قطع الطرق السريعة وإعاقة تقدّم التعزيزات العسكرية. أيضاً، استغلّ ثلاثة وعشرون نزيلاً حالة الارتباك الأمني لتنفيذ عملية فرار جماعي من سجن محلّي، وهو ما وسّع من دائرة التحديات الأمنية المفروضة على السلطات المركزية في مكسيكو سيتي.
وترتبط الأحداث الحالية بتراكمات تاريخية رسّخت نفوذ شبكات الجريمة المنظّمة في الاقتصاد والمجتمع المكسيكيَين؛ إذ انشقّ كارتل «خاليسكو الجيل الجديد» عن كارتل «سينالوا» في عام 2009، ليصعد سريعاً تحت قيادة «إل مينتشو»، ويتحوّل إلى القوة الإجرامية الأبرز في البلاد. واعتمد التنظيم، في ذلك، استراتيجية قتالية دموية لتوسيع مناطق نفوذه، محكماً قبضته على مسارات تهريب الفنتانيل والميثامفيتامين المتّجهة صوب الأسواق في الولايات المتحدة. وتجسّد الكارتيلات المكسيكية النتيجة الحتمية لتناقضات الرأسمالية المتوحشة في دول الأطراف؛ إذ تأسّست قوّتها عبر استغلال تداعيات السياسات الاقتصادية النيوليبرالية المطبَّقة لعقود، والمتمثّلة بإفقار الطبقة العاملة وتهميش الفلاحين في الأرياف. ومن طريق هذا الاستغلال، حوّلت الكارتيلات المهمّشين إلى جيش هائل من العمالة الرخيصة والقابلة للاستبدال الفوري، ووظّفتهم كجنود مشاة وحراس لمزارع المخدرات ومختبرات الفنتانيل السامة. كما أنها تمارس نشاطها كشركات رأسمالية احتكارية مفرطة العنف؛ فهي تستخدم القوة المسلّحة لضمان السيطرة التامّة على وسائل الإنتاج وطرق التوزيع واحتكار الأسواق الاستهلاكية، في حين يعكس العنف المندلع بشكل دوري في الشوارع المكسيكية صراعاً دموياً مفتوحاً بين أجنحة البرجوازية الإجرامية، على الحصص السوقية وطرق التجارة الرابحة الممتدّة نحو أسواق أميركا الشمالية.
وفي المقابل، يخلق السوق الاستهلاكي الضخم في الولايات المتحدة طلباً مستمراً يحرك آلة إنتاج المواد المخدّرة في المكسيك ودول أميركا اللاتينية
.وعلى خلفية ذلك، يطالب الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، السلطات المكسيكية بتصعيد وتيرة الحرب الشاملة ضدّ الكارتيلات، ملوّحاً بتدخلات عسكرية أحادية الجانب وفرض ضرائب إضافية على الواردات المكسيكية. وتدفع هذه الضغوط مكسيكو سيتي إلى تنفيذ مداهمات عسكرية وفق المعلومات الاستخباراتية الأميركية وتوجيهات واشنطن المباشرة، في ما يجلّي علاقة تبعية قسرية تسلب المكسيك سيادتها الوطنية، وتؤدي الأجهزة المكسيكية من خلالها دور الكومبرادور الأمني، الخاضع هيكلياً واستراتيجياً لإرادة وكالة الاستخبارات المركزية والقيادة الشمالية للجيش الأميركي، المتمركزة في قاعدة فورت هواشوكا في ولاية أريزونا.
وفي الصورة الأعمّ، توظّف واشنطن مفهوم «الحرب على الناركو» كأداة أيديولوجية وعسكرية لفرض هيمنتها على جارها الجنوبي، وتبرير التدخل المستمر في شؤونه الداخلية، وذلك عبر تسيير طائرات مسيرة سرّية وتجنيد شبكات واسعة من المخبرين المحليين. وتبدو تفاصيل اغتيال «إل مينتشو» كتطبيق عملي لهذا الخضوع التام؛ إذ أتت الضربة استجابة لضغوط الإدارة الأميركية، واعتمدت كلياً على التوجيه التقني والاستخباري الأميركي لتعقب شبكات الاتصال الخاصة بزعيم الكارتل.
وليس سراً أن الكارتيلات تستخدم تقنيات غسيل الأموال القائمة على التجارة، وتتلاعب بفواتير الاستيراد والتصدير، وذلك لدمج العائدات المحظورة قانونياً في الاقتصادَين الرسميَين المكسيكي والأميركي على حدّ سواء، فيما تتغاضى البنوك العالمية الكبرى عن التدقيق الصارم في مصادر هذه الأموال، مفضّلة مراكمة السيولة النقدية الهائلة وتوظيفها في أسواق المشتقات المالية والمضاربات العقارية السريعة العوائد. وهكذا، يندمج رأس المال الفاسد هذا في الدورة الاقتصادية الشرعية، ويتحول بسلاسة إلى استثمارات عقارية ضخمة وسندات سيادية وأسهم تدرّ عوائد مضاعفة على الطبقات المخملية في عواصم الغرب، التي توفّر من جهتها الملاذ الآمن والشرعي لغنائم هذه الحروب المتوحشة، تاركةً لدول الأطراف، كالمكسيك، مهمّة التعامل مع الجثث المتناثرة والدمار اللاحق بمؤسسات الدولة والمجتمع.
وفي ما يتّصل بالعملية الأخيرة تحديداً، يؤكد خبراء أن إصدار الأمر بتنفيذها يمثّل مخاطرة استراتيجية من جانب الرئيسة المكسيكية، كلوديا شينباوم، المحسوبة على يسار الوسط، التي أرادت توجيه ضربة قاصمة إلى هيكل الجريمة المنظمة، سعياً لتهدئة الضغوط المتصاعدة من البيت الأبيض، وتأكيد قدرة أجهزتها الأمنية على فرض هيبة الدولة بقوة السلاح. لكن هذه المخاطرة سيكون لها تأثير مباشر على صورة المكسيك كوجهة استثمارية وسياحية عالمية، خصوصاً مع استعداد مدينة غوادالاخارا، قلب ولاية خاليسكو، لاستضافة مباريات حاسمة ضمن بطولة كأس العالم لكرة القدم 2026، إضافة إلى بطولة تصفيات مصغرة في شهر آذار/ مارس المقبل. ويفرض هذا الاستحقاق الرياضي والاقتصادي الدولي ضرورة استعادة الهدوء التام، وطمأنة المجتمع الدولي والوفود الزائرة؛ إذ يمثل النجاح في تنظيم الفعاليات الرياضية الكبرى فرصة ذهبية لجذب الاستثمارات الأجنبية المباشرة، وتنشيط الدورة الاقتصادية المحلية، وخلق فرص عمل جديدة للشباب المكسيكي، فيما يهدد العنف المنفلت بتبديد تلك الآمال، ويضع الحكومة تحت ضغط مضاعف لاستعادة سيطرتها الأمنية الكاملة.
ويأتي ذلك فيما يتوقّع خبراء في شؤون الكارتيلات اندلاع صراعات عنيفة على السلطة داخل أروقة كارتل خاليسكو، حيث يتنافس قادة ميدانيون بارزون، من أمثال «إل دوبلي آر» و«إل خاردينيرو»، على وراثة العرش بعد«إل مينتشو». كما ينذر هذا التنافس المحموم بحرب فصائل دموية للسيطرة على الأراضي وطرق التهريب الاستراتيجية، وهو ما سيضاعف من الأعباء الملقاة على عاتق الأجهزة الحكومية.
وفي النتيجة، وعلى الرغم من أن نهاية مسيرة «إل مينتشو» تمثّل انتصاراً تكتيكياً بارزاً للمؤسسة العسكرية المكسيكية، فإن الحلول الأمنية المؤقّتة ستظلّ قاصرة عن معالجة جوهر المعضلة التاريخية. إذ إن هذه الأخيرة تتطلّب وضع استراتيجية وطنية متكاملة تتّجه نحو معالجة الجذور الاجتماعية والاقتصادية العميقة لظاهرة الجريمة المنظمة، وتوفير بدائل تنموية حقيقية للفئات المهمّشة والمفقرة، وخصوصاً في المناطق الريفية النائية المشكلة للخزان البشري الرئيس لتجنيد عناصر الكارتيلات، وهو أمر لا تمتلك السلطات المكسيكية الحالية، لا القدرة ولا الإرادة ولا الصلاحية لتنفيذه.
.webp)
تعليقات