هذا أخر عرض قدمه ترامب مقابل شراء دولة جرينلاند بالكامل.
قيمة الصفقة المقترحة حوالي تريليون دولار!
هذه ليست أول مرة أمريكا تشتري مدينة أو دولة! فإن الأمر ليس جنون رئيس عابر، بل امتداد طبيعي لعقيدة أمريكية قديمة .
ففي سنة 1803 اشترت الولايات المتحدة إقليم لويزيانا من فرنسا مقابل خمسة عشر مليون دولار، مستغلة حاجة نابليون للأموال في حروبه الأوروبية. هذه الصفقة ضاعفت مساحة الدولة الأمريكية دفعة واحدة .
ثم في عام 1819، وبموجب معاهدة آدامز–أونيس، اشترت الولايات المتحدة إقليم فلوريدا من إسبانيا مقابل تسوية مالية بلغت خمسة ملايين دولار كتسديد ديون ، إسبانيا كانت عاجزة عن ضبط الإقليم ، مع ضغوط سياسية وعسكرية أمريكية مستمرة، ما جعل التنازل أقرب إلى الإكراه منه إلى البيع الحر.
وفي 1867م، حين كانت روسيا القيصرية غارقة في أزماتها، مدت أمريكا يدها مرة أخرى، واشترت ألاسكا مقابل 7.2 ملايين دولار. سخر الصحافيون آنذاك من الصفقة، لكنهم لم يفهموا أن واشنطن تشتري المستقبل : نفط، غاز، ذهب، وموقع استراتيجي يخنق خصومها من الشمال.
أما حين تعذّر الشراء الهادئ، فقد جاءت الحروب بـ«إيصالات تعويض» .
ففي الحرب المكسيكية الأمريكية انكشف الوجه الحقيقي لهذه السياسة. ففي عام 1848، فرضت واشنطن بالقوة على المكسيك التنازل عن مساحات شاسعة من أراضيها، شملت كاليفورنيا ونيو مكسيكو وأريزونا وأجزاء واسعة أخرى، مقابل خمسة عشر مليون دولار فقط، ثم استكملت الاقتطاع سنة 1853 بصفقة غادسدن مقابل عشرة ملايين دولار، بذريعة بناء خط سكة حديد و تشمل اليوم جنوب أريزونا وجنوب نيو مكسيكو .
ومع اندلاع الحرب العالمية الأولى، واصلت الولايات المتحدة النهج نفسه، فاشترت سنة 1917 جزر العذراء من الدنمارك مقابل خمسة وعشرين مليون دولار ذهبًا، بذريعة منع ألمانيا من استخدامها عسكريًا
إلى جانب هذه الصفقات المكتملة، حاولت الولايات المتحدة في فترات مختلفة شراء أراضٍ أخرى ذات أهمية استراتيجية مثل كوبا في القرن التاسع عشر وغرينلاند في أعوام 1867 و1946 ثم مجددًا في العصر الحديث .
تُظهر التجربة التاريخية أن الولايات المتحدة تتعامل مع العالم بعقلية رجل أعمال رأسمالي جشع ، لا بعقلية دولة . فهي تنظر إلى الأرض والسياسة باعتبارهما سلعًا في سوق مفتوحة، وتفترض أن كل شيء له ثمن، وأن ما لا يُؤخذ بالقوة يمكن شراؤه بالمال.، متى اختلّ ميزان القوة. وبهذا المنطق حوّلت واشنطن المال من أداة تبادل إلى وسيلة هيمنة استعمارية تُغلف التوسع والعدوان بغطاء قانوني شكلي.
* منصة غذي عقلك طور ذاتك

تعليقات